فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 272

نزلت دمنهور مشبعا بالفكرة الحصافية. ودمنهور مقر ضريح الشيخ السيد حسنين الحصافي شيخ الطريقة الأول، وفيها نخبة صالحة من الأتباع الكبار للشيخ. فكان طبيعيا أن أندمج في هذا الوسط، وأن أستغرق في هذا الاتجاه. وضاعف في هذا الاستغراق أن أستاذنا الحاج حلمي سليمان - والذي لا يزال إلى الآن مدرسا بدمنهور - كان مثالا من أمثلة التعبد والصلاح والتقوى والتأدب بأدب الطريق، وكانت بيني وبينه رابطة روحية خاصة لهذا السبب، وأن زميله وصديقه الأستاذ الشيخ حسن خزبك رحمه الله - وكان مدرسا بدمنهور أيضا - كان يعقد كثيرا من الاجتماعات العلمية والوعظية في بيته، وكان يدرس" الإحياء" قبل صلاة الفجر من رمضان في مسجد الجشي، و كان الحاج حلمي يصحبني معه إلى تلك الاجتماعات، فأجد نفسي وأنا الطالب الصغير مع رجال كبار فيهم الأساتذة الذين يدرسون لي في المدرسة، وغيرهم من العلماء والفضلاء، وكلهم يشجعونني ويشجعون أمثالي من الشباب على السمير في هذه الطريق، طريق طاعة الله، فكانت هذه كبها عوامل للتشجيع والثبات على هذه الخطة التعبدية الصوفية.

ولست أنسى مناقشاتي الطويلة مع أستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو علام، أستاذ الشريعة والتفسير والحديث في المدرسة، حول ما يثار من اعتراضات على الطرق والأولياء والصوفية، وكان الرجل يبتسم في النهاية، ويشجعني على طاعة الله ويوصيني بالدراسة العميقة، وإطالة النظر في أسرار التشريع الإسلامي وتاريخه، وتاريخ المذاهب والفرق والطوائف لينكشف لي وجه الحق: والحقيقة بنت البحث. ومع اختلافنا في الرأي في كثير من الأحيان فقد كنت أشعر بعاطفة الأستاذ تغمرني، ورغبته الصادقة في حسن توجيهي، فكنت أحبه وأقدره، ولا يتجاوز النقد حد الإدلاء بالحجة، والرغبة في تعرف الحق.

ليالي الجيشي

ولست أنسى في دمنهور ليالي مسجد الجيشي، أو مصلى الخطاطبة عند كوبري إفلاقة، فلقد تطور حضور درس الأستاذ الشيخ حسن خزبك قبل فجر رمضان إلى اعتكاف ليال بطولها مع لفيف من الإخوان الحصافية الصالحين في هذا المسجد: نصلى العشاء ثم نتناول قليلا من الطعام بحضرة الشيخ محمد عامر أو الأستاذ حسين فوزي أفندي المقيم بالقاهرة الآن، ثم نذكر الله بعض الوقت، وننام قليلا، ونقوم نحو منتصف الليل للتهجد إلى الفجر، ثم قراءة الوظيفة والأوراد، والانصراف بعد ذلك إلى المدرسة، إلى الوعظ للطلاب وإلى العمل لغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت