الصفحة 4 من 40

المبحث الأول

نشأة مدرسة المغرب الأقصى في الفقه المالكي وتطورها

يظهر أن دخول المذهب المالكي إلى المغرب الأقصى قد تأخر نسبيًا عن بقية الأقطار الأخرى، إذ تفيد بعض الروايات التاريخية أن المذهب المالكي انتقل إليه من الأندلس [1] ، ويقال أن المغاربة قبل اعتناقهم للمذهب المالكي، كانوا يدينون بمذاهب مختلفة، من حنفية، وخارجية، ومعتزلة ... وغيرها، كمذهب الأوزاعي مثلًا [2] .

وقد جزم الكتّاني وغيره بأن الإمام إدريس [3] كان على مذهب مالك، ودعا الناس للأخذ به واتّباع منهجه، وجَعْله مذهبًا رسميًا للدولة معززًا ذلك بقوله:"نحن أحق باتباع مذهب مالك وقراءة كتابه الموطأ" [4] .

وقد أرسى الإمام إدريس أصول المذهب المالكي في المغرب الأقصى، بإسناد منصب القضاء الأول لشخصية عربية هي: عامر بن محمد بن سعيد القيسي، تلميذ الإمام مالك [5] ، الذي سمع منه، وروى عنه كثيرًا، ولما قدم المغرب سمع منه إدريس وغيره من الفقهاء ما رواه"مالك"، فكان"عامر"بذلك أول من أدخل الموطأ إلى المغرب الأقصى. [6]

وبدخول الموطأ إلى المغرب تحول المغاربة من المذهب الحنفي إلى المذهب المالكي إذ لم يكد القرن الرابع يطلّ، حتى كان المذهب المالكي قد بدأ ينتشر في المغرب الأقصى، وتتجذر أصوله، وفروعه في سائر مرافق الحياة [7] .

(1) الناصري، أحمد بن خالد، الاستقصا لأخبار المغرب الأقصى، ط1، ص 138، ص دار الكتاب، الدار البيضاء، المغرب، 1955م.

(2) الكتاني، محمد بن جعفر، الأزهار العاطرة، ص 130، مخطوطة بالخزانة العامة في الرباط، رقم 3354.

(3) مؤسس دولة الأدارسة"إدريس بن عبد الله الحسن"نجا من معركة (فخ) بين مكة والمدينة، التي جرب بين العباسيين والعلويين (169هـ - 170هـ) وفر إلى مصر، ومنها إلى المغرب، ونزل في بلدة"وليلى"من أعمال مدينة طنجة في شمال المغرب سنة 172هـ، وبايعته قبائل البربر بعد أن عرفوا قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم. أبو دياك، صالح محمد فياض، الوجيز في تاريخ المغرب والأندلس، ص 171، 172، ط1، 1988م، نقلًا عن: الفاسي، علي ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ط2، الرباط، 1972م، الشلبي، أحمد، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج3، ص 209، وما بعدها، ط5، 1974م، القاهرة.

(4) الكتاني، الأزهار العاطرة، ص 130.

(5) ابن القاضي، أحمد، جذوة الاقتباس، ص 13، طبعة فاس 1309هـ.

(6) الناصري، الاستقصاء، ص 163، ابن أبي زرع، الأنيس المطرب، ج1، ص 34.

(7) الكتاني، الأزهار العاطرة، ص 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت