ان كل آية تتناول مسألة طبيعية او حيوية او مادية تنتهي بافعال التقوى والايمان ، وبالدعوة الى ربط اية فاعلية بالله .. وهذا التأكيد المتكرر له مغزاه الواضح .. ان منطق (التوازن الحركي) الذي يرفض الانحراف او السكون ، هو القاعدة التي نتلمسها في القرآن الكريم بوضوح من خلال عدد كبير من آياته ، والتي تكفل نموا سليما لاية حضارة تستطيع ان تحافظ على نقطة التوازن بين تجربتي الروح والمادة ، ولا تنحرف باتجاه احداهما ، مهملة الاخرى ، او ضاغطة عليها ، مستخدمة ازاءها اساليب الكبت والقمع والتحديد .. التوازن الذي يمكن الحضارة من الحركة الدائمة ، لان الاهداف التي يضعها امامها تأخذ مستويات صاعدة لا يحدها افق ولا يقف في طريقها تحديد صارم ، انها تبدأ بتأمين متطلبات
الحياة اليومية المباشرة ، وتتقدم - بعدها - صوب اعمال الفكر في قلب العالم للكشف عن نواميسه ، او في امداء الكون لادراك سره المعجز .. هذه الفعالية الفكرية التي مالها من حدود تقف عندها ..
ومن ثم توالي خطواتها لتنفيذ اكبر قدر من ضمانات التجربة الروحية الشاملة ، وايصالها الى مطامحها التي تتجاوز الارض الى اعماق السماء ، وتغادر اللحظة الموقوتة العابرة الى عالم الخلود .. ان حضارة تسعى الى تلبية متطلبات الغريزة والفكر والوجدان والروح بهذا القدر من التوازن ، لايمكن ان تبلغ حالة السكون ابدا ، الا اذا وجهت اليها ضربة (خارجية) شديدة القسوة تفوق قدراتها العسكرية على الرد ، وتظل من ثم على حركتها الدائمة تلك ، متجاوزة خطوط الاهداف القريبة والبعيدة التي يستثيرها فيها الايمان المبدع من اجل ان تتجاوزها الى خطوط هدفية اخرى ..