ومن ثم فلا يتصورن احد ان القرآن ماجاء الا لكي يؤكد في موقفه من العمل الحضاري على الجوانب الاخلاقية والروحية فحسب ، اننا بازاء آيات عديدة تضع الجماعة البشرية المؤمنة في قلب العالم والطبيعة وتدفعها الى ان تبذل جهدها من اجل التنقيب عن السنن والنواميس في اعماق التربة وفي صميم العلاقات المادية بين الجزيئات والذرات .. اننا بأزاء حركة حضارية ، شاملة ، تربط وهي تطلب من الانسان ان ينظر في السماوات والارض ، بين مسالة الايمان ومسالة الابداع ، بين التلقي عن الله والتوغل قدما في مسالك الطبيعة ومنحنياتها واغاميضها ، بين تحقيق مستوى روحي عال للانسان على الارض ، وبين تسخير قوانين الكيمياء والفيزياء والرياضيات لتحقيق نفس الدرجة من التقدم والعلو الحضاري على المستوى المادي (المدني) .
ولم يفصل القرآن يوما بين هذا وذاك ، انه يقف دائما موقفا شموليا مترابطا ويرفض الفصل والتقطيع والتجزييء في تقييم الموقف (الحيوي) او الدعوة اليه .
ولقد انعكس هذا (التوحد) بين قيم الروح والمادة بوضوح كامل عبر مسيرة الحضارة الاسلامية التي قطعت القرون الطويلة وهي تحتفظ بتوازنها المبدع بين الطرفين ، وانجزت وابتكرت وكشفت ونفذت الكثير الكثير من المعطيات الحضارية التي لم تهمل جانبا من الجوانب المرتبطة جميعا ، ارتباطا متينا ، بخلافة الانسان ودوره الحضاري في العالم ، وليس من داع لأن نشير هنا الى ان ماحققه ابناء هذه (الحضارة) التي استمدت منهجها من القرآن الكريم نفسه ، في مجالات الطبيعة والفلك والرياضة والطب والصناعة التطبيقية وغيرها ، لا يقل في مستواه ، كما ونوعا ، عما انجزوه في ساحات العلوم والدراسات الانسانية ، فلهذا مجال آخر .. وماكان لها الا ان تكون كذلك وهي تعمل في ظلال مناخ حضاري متوازن نتلمسه بوضوح في الآيات والمقاطع التي اوردناها والتي سنوردها في الصفحات التالية من هذا البحث .