ومن ناحية أخرى فقد كانت بقية الدول في البلقان (بلغاريا وألبانيا وتركيا واليونان) في السنوات المذكورة تعيش تطورات الحرب الباردة، ولذلك فقد كانت تبدو مفتوحة- قريبة من بعض الدول العربية ومغلقة- بعيدة من بعض الدول الأخرى، بينما تنوعت علاقات الدول العربية باليونان وتركيا حسب مصالحها وتحالفاتها الإقليمية والدولية. وبالاستناد إلى هذا فقد كان الاهتمام بهذه الدول (التاريخ والتراث الثقافي والنظام السياسي) يرتبط بالواقع الأديولوجي/ السياسي كما في نموذج بلغاريا على سبيل المثال. ففي تلك الفترة صدر حوالي ثلاثين كتابًا عن بلغاريا تناولت التاريخ العام والتراث الثقافي والنظام السياسي للبلاد من وجهة نظر أديولوجية معينة، وهي لم تعد موجودة في بلادها ولذلك لم تعد تمثل مرجعية موثوقة في التعرف على بلغاريا وعلاقاتها التاريخية والسياسية والثقافية مع الدول المجاورة (وخاصة مع تركيا الحالية وتركيا العثمانية وما تمثله من ثقافة شرقية إسلامية) .
وبالاستناد إلى كل هذا يبدو أنه قد آن الأوان لتأسيس مرجعية معرفية جديدة في اللغة العربية حول دول وشعوب البلقان وعلاقاتها التاريخية والثقافية والسياسية مع المناطق المجاورة، بالتحديد مع المنطقة العربية التي ليست جديدة على كل حال.
وفي الحقيقة إن العلاقات بين طرفي المتوسط تعود إلى مرحلة مبكرة تتمثل في الانتشار الفينيقي في شرق المتوسط الذي ترك بعض المؤثرات الثقافية (الدينية) في البلقان، وتطورت هذه العلاقات أكثر مع انضواء طرفي المتوسط ضمن الدول التي برزت وتوسعت بعد ذلك (المكدونية والرومانية/ البيزنطية) .
وقد دخلت العلاقات بين الطرفين في منعطف جديد خلال القرنين السادس والسابع للميلاد مع ظهور وانتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا وقدوم وانتشار السلاف في شبه جزيرة البلقان، حيث أصبحوا يمثلون غالبية الشعوب هناك.