ونحو ذلك قول الزمخشري في كشافه (1/ 89) ، حول ماجاء في التنزيل: ?ولتكبِّروا الله على ما هداكم? [البقرة ـ 185] . وعدَّوا معنى التكبير بحرف الاستعلاء ليكون مضمَّنًا معنى الحمد، كأنه قيل:"لتكبِّروا الله حامدين على هداكم".
وهكذا شُرع التضمين لغرض تعبيري وفائدة معنوية. قال أبو البقاء الكفوي في الكليات:"وفائدة التضمين هي أن تؤدي كلمته مؤدى كلمتين، فالكلمتان مقصودتان قصدًا وتبعًا". وقد بحث المجمع القاهري (التضمين) فأوصى ألاَّ يلجأ إليه إلا لغرض بلاغي. فكل فعل عدَي غير تعديته ولم يستوف هذه الفائدة أو يصب هذا الغرض، امتنع حمله على التضمين، وكان التصرف فيه والعدول عن حاله الأولى تحكّمًا لا وجه له.
ويكثر في كلام الكتَّاب قولهم (تفانى فلان في خدمة العدالة) ، فهل هذا صحيح؟ أقول: تفانى من أفعال المشاركة، فهو لا يأتي إلا من اثنين فأكثر، فإسناد الفعل فيه إلا واحد خطأ. وقد جاء في الصحاح:"وتفانوا أفنى بعضهم بعضًا". وفي اللسان نحو ذلك، ولذا امتنع قولك (تفانى فلان) . وقد ذهب الأستاذ محمد خليفة التونسي إلى جواز ذلك في كتابه (لغتنا السمحة) ، فقال:"ويمكن أن يأتي تفانى من واحد"، واستشهد بقول زهير بن أبي سلمى:
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
تداركتما عبسًا وذُبيان بعدما
وقول المتنبي:
نتعادى فيه وأن نتفانى
ومراد النفوس أصغر من أن
أقول وقد جاء التونسي بهذين البيتين حجة له، وهما حجة عليه، فقد أسند (تفانوا) في البيت الأول إلى جماعة، وأسند (نتفانى) في البيت الثاني إلى جماعة أيضًا كنتعادى، وهذا من أفعال المشاركة أيضًا، فتفانوا: أفنى بعضهم بعضًا. ونتفانى: يفنى بعضنا بعضًا. فالفعل إذًا من أفعال المشاركة. وإن لك أن تقول فني فلان أو ضني أو أجهد نفسه أو استنفد طاقته في كذا، بدل أن تقول تفانى.