أما قولنا إن الدال تدل على التشدد والتمنع والحيلولة فذلك معنى جدّ وسدّ وصدّ وكدّ وندّ.. وأما أن الراء تدل على الجري والاستيسار فذلك معنى برّ وترَ وثرّ وكرّ وجرّ ومرّ ...
ومثال آخر هو (لفّ وفلّ) . فقد جاء في المقاييس (اللام والفاء أصل صحيح يدلّ على تلوّي شيء على شيء، يقال لففت الشيء بالشيء) . وفي الأفعال لابن القوطية: (ولففت الثوب وغيره لفًا جمعته) . فاللف في الأصل أن يُضم بعض الشيء إلى بعض أو يضم بشيء آخر. ففي الأساس: (لف الثوب وغيره، ولف الشيء في ثوبه) .
وإذا كان (اللف) ضم الشيء بعضه إلى بعض وطيَّه، فأي معنى يتجه في عكسه أو يقال في ضده؟ أو ليس (نشر الشيء وبسطه) ؟ ففي مفردات الراغب (قال تعالى جئنا بكم لفيفًا أي منضمًا بعضكم إلى بعض.. وقوله وجنات ألفافًا أي التف بعضها ببعض) . وفيه (نشر الثوب والصحيفة والنعمة والحديث: بسطها) ، ومنه البساط. وفي الأفعال لابن القوطية: (نشرت الثوب تقصت طيه) ، ولعلّ الصحيح: نقضت بالضاد.
قال المؤلف: (ولو نظرت إلى لفظ، فلّ الشيء، التي تعني أن الشيء يكون ملفوفًا فتفلَّه، وتأملت في عكسها، لفّ، التي تشير إلى أن الشيء كان مغلولًا فلففته، ترى أن وجودهما كامن في الاتجاه/ 74) .
أقول قد تتذرع بتأويل فتقول لففت الشيء بعد فلَّه، وأن تعني باللف أن تضم بعضه إلى بعض ضمًا شديدًا يقارب بين طرفيه، وتتسع أيضًا فتقول فللت الشيء بعد لفه فيباعد الفلّ بين طرفيه وينتقض اللف، ولكن هل هذا هو الأصل في معنى كل منهما ووجهته، وإنما ينقض (اللف) ويجري منه مجرى الضد النشر والبسط، وينقض (الفلّ) ويقع منه موقع العكس الجبر والرأب واللأم.