فالأصل عندي فيما جاء على القلب أن يتحد فيه معنى المقلوب والمقلوب عنه كما أسلفنا، فإذا صحّ هذا فيما حكاه الأئمة عن معنى (الجذب والجبذ) ، كان الجبذ مقلوبًا من الجذب. والأكثر في المقلوب أن يقصر عن المقلوب عنه في تصرفه. بل الغالب أن تسقط تصاريفه فتبقى منها بقية تدل عليه لمجيئه على غير الأصل. ولكن ليس يمتنع أيضًا أن يأتي القلب بلفظ فيشيع ويجري على الألسنة فيستتم تصرفه أيضًا، وتكون مطابقة معناه للأصل شاهدًا على صحة القلب، كما تكون كثرة التداول دليلًا على أصلية هذا الأصل.
والغالب فيما حكاه الأئمة أن الجذب والجبذ بمعنى.
وإذا اختلف المعنيان، والأصل في اللفظين إذا اتحدت حروفهما واختلفت فيهما مواقعها أن يختلف معناهما، كانا أصلين متساويين في تصرفهما، ولكن إذا صحَّ في اللغة أن يتعاقب على المعنى مثل هذين اللفظين فيكون أحدهما لغة في الآخر، كما حكي عن الجبذ أنه لغة تميم، فليس ذلك هو الغالب والأصل، ويرد ذلك إلى اختلاف اللهجات. وقال الرضي في شرح الشافية (1/24) : (فإن ثبتت لغتان بمعنى يُتوهم فيهما القلب ولكل واحدة منهما أصل كجذب جذبًا وجبذ جبذًا، لم يحكم بكون إحداهما مقلوبة من الأخرى) . وكلام الرضي هذا ظاهر الاستقامة إذا كان الحكم بأصلية اللفظين قد ترتب على استيفائهما التصرف، ولكن يختلف الأمر إذا ذهبنا إلى أن وحدة المعنى فيهما هي المعيار في الحكم بصحة القلب واستبعاد خلافه.