وجاء ابن طلحة في كلامه على تفاوت الدلالة في صيغ المبالغة، برأي جدير بالنظر. فقد ذكر السيوطي في الهمع (2/97) : (وادعى ابن طلحة تفاوتها في المبالغة أيضًا، ففعول لمن كثر منه الفعل، وفعال لمن صار له كالصناعة، ومفعال لمن صار له كالآلة، وفعيل لمن صار له كالطبيعة، وفعِل لمن صار له كالعادة) . فإذا صح هذا كان فعال في المبالغة فرعًا على فعال في الاحتراف، فدخلت تاء التأنيث في الفرع حملًا على الأصل. وكان أصل (مفعال) للمبالغة مفعالًا للآلة، فامتنع تأنيث الأول حملًا على أصله أيضًا. أما فعيل وفعِل فهما في الأصل صفتان مشبهتان استعيرتا للمبالغة فعوملتا في التذكير والتأنيث معاملة الصفة المشبهة. أما (فعول) فهو أصل في المبالغة لمن يكثر منه الفعل. وقد عُدل به عن فاعل لكنه لم يطرد اشتقاقه في بناء من أبنية الفعل كما اطرد اسم الفاعل والصفة المشبهة، فخالفهما وحمل على الاسم فاستوى فيه التذكير والتأنيث.
فاستبان بهذا أن العرب قد جعلت (مفعالًا) اسمًا للآلة، فأطلقت (المحراك) مثلًا على العود الذي تتحرك به النار، و (المجداف والمجذاف) بالدال والذال، على الخشبة الطويلة يسير بها الملاح قاربه، ثم استعارت هذه الصيغة لمن كان عمله أو صفته كالآلة كثرة واستمرارًا. قال صاحب الكليات أبو البقاء (398) : (مفعال لمن اعتاد الفعل حتى صار له كالآلة، وهذا الوزن يأتي لاسم الفاعل لغرض التكثير والمبالغة كالمفضال) .
ونحو ذلك (مِفعَل) بكسر الأول، فهو في الأصل لـ (اسم الآلة) ثم استعمل للمبالغة أيضًا. قال زاهر التيمي:
ومِحَشِّ حرب مُقدم متعرّض
للموت غير معرّد حيَّاد