الصفحة 349 من 697

هذا بحث طريف قلما خاض فيه الباحثون. إذ لم يصرح الأئمة الأوائل بقياس اشتقاق صيغ المبالغة ولم يشر إليه ابن مالك في ألفيته حين قال:

فعَّال أو مفعال أو فعول

في كثرة عن فاعل بديل

فيستحق ماله من عمل

وفي فعيل قلّ ذا وفَعِل

فأنت ترى أن ابن مالك لم ينبه على قياس اشتقاق صيغ المبالغة هذه. وكل ما عناه هنا أن صيغ (فعَّال ومفعال وفعول) تنوب كثيرًا عن (فاعل) للدلالة على المبالغة وتعمل عمله، وقلَّ ذلك في (فعيل وفَعِل) . وقال الإمام الأشموني في شرح ما تقدم من قول ابن مالك (3/114) : (أي كثيرًا ما يحوّل اسم الفاعل إلى هذه الأمثلة لقصد المبالغة والتكثير فتستحق ما كان له من عمل) . فقال الإمام الصبَّان في تعليقه على هذا (قوله فتستحق ما له من عمل يفيد أن جميع الأمثلة الخمسة تعمل قياسًا، وهو الأصح) .

فتبين بهذا أن الذي عناه الأئمة هنا، هو قياس عمل صيغ المبالغة الخمس، كعمل اسم الفاعل. وسكتوا عن قياس اشتقاقها. هذا والكوفيون على عدم إعمال صيغ المبالغة وتأويل ما عمل منها على تقدير فعل، خلافًا للبصريين. فقد أجمع هؤلاء على إعمال الصيغ الثلاث الأولى قياسًا، واختلفوا في الصيغتين الأخيرتين. وأكثر المتأخرين من الأئمة على قياس إعمالها جميعًا، كما ذهب إليه سيبويه.

وإذا تجاوزنا الصيغ الخمس إلى سواها فالأكثرون على أن إعمالها سماع. فـ (فِعِّيل) بكسر الأول وتشديد الثاني، وهو من صيغ المبالغة، قال بعضهم بقياس إعماله، وأنكره كثيرون، وحملوا ما عمل منه على السماع. قال الإمام الصبان (3/115) : (في الفارض ما نصه: زاد ابن خروف إعمال فِعيِّل كزيد شرّيبٌ الخمرَ بالنصب، فأجازه أيضًا ابن ولاّد، وحكاه أبو حيان) . وأردف الصبَّان قائلًا (وشِرّيب من المبالغة سماعًا..) أي أن إعمال شِرّيب سماع لا قياس، خلافًا لما ذهب إليه في الصيغ الخمس المتقدّمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت