سيبويه، ولها من طابع الفصاحة وميسم البداوة ما لا خفاء به، وقد شاعت فيما ألَّفه المتأخرون من النحاة.
قال الدكتور مهدي المخزومي في كلامه على الكوفيين:"إذا سمعوا لفظًا في شعر أو نادر كلام جعلوه أصلًا وبوَّبوا عليه كأنهم يشعرون بأن ما يقوله الأعرابي أو الأعرابية إنما يمثل بيئة لغوية لا يصح إغفالها، حرصًا منهم على أن تكون الأصول خاضعة في شكلها النهائي للأمثلة المستعملة المسموعة، بإمعانهم في التتبع اللغوي، واستبعادهم أساليب المنطق ومجافاتهم التأويلات التي يخالفها الظاهر" (ص/450-451) . وقوله مستقيم، لكن الكوفيين إذا اعتمدوا مسموعًا فقد وثقوا بفصاحته، فهم أغنى بالاستعمال منهم بالقياس.
والكوفية قد تجيز استعمالًا يند عن قواعد البصرية ويشرد عليها، ولكنها لا تقر استعمالًا يخرج عن قواعدها هي. وقد يكون في ضوابط البصرية ما يمنع مسموعًا، وفي ضوابط الكوفية ما لا يعافه أو يضيق عنه. ومثال هذا أن البصريين قد منعوا العطف على الضمير المجرور إلا أن يعاد الجار، لأن اتصال الجار بالضمير أشد من اتصال الفعل بالفاعل، فيقال مررت بك وبزيد ولا يقال مررت بك وزيد. وخالفهم في ذلك الكوفيون فأجازوا العطف ها هنا، أعيد الجار أو لم يعد، وأوردوا على ذلك النصوص القاطعة. ومنها قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام (( النساء/1) بعطف (الأرحام، على الضمير المجرور في(به) ، كما جاء في بعض القراءات السبع، وقد جاء في الأصل بالنصب معطوفًا على اسم الله. وردّ البصريون حجة الكوفيين في جر الأرحام عطفًا على الضمير وقالوا إنما جُر بواو القسم لا بواو العطف، أو جُر بباء القسم مقدرة، وحجة البصريين في الوجهين متكلفة ضعيفة، وقد ورد النهي عن الحلف بالأرحام. وقد جاء العطف على الضمير المجرور كثيرًا في الشعر، قال الشاعر:
اليومَ قُرّبت تهجونا وتشتمنا فاذهب وما بك والأيام من عجب