أما حين يتبادر إلى الذهن سؤال مثل: من اين يستمد الفاعل الجائز قدرته على الحركة، مادامت حركته لاتنبثق من ذاته؟... فالجواب الذي يقدمه"أرسطو": إن الفاعل الجائز يستمد حركته من محرك آخر"السماء"، ومحرك لايتحرك ، وهو منبع الحركة"الله". ووقوف العقل عند هذا المحرك الذي لايتحرك ، ليس من أجل أن يتجنب العقل الدوار كما زعم"برغسون"..."13"بل لأن التسلسل إلى مالا نهاية دور فاسد، ولابد من علة لكل معلول، ومحرك لكل حركة، إلى أن نصل إلى"علة العلل"... أو"المحرك الأول".
الفلاسفة المؤمنون... ومفهوم الممكن:
إذا كان"المعلم الأول"قد حاول عن طريق ثنائية"الصورة / المادة"أن يفسر ظاهرة الصيرورة ، فإن"ابن سينا"مثلًا قد استعار أدوات"أرسطو"ليفسر بواسطتها فكرة"الخلق"، كما جاء القرآن الكريم بها. فهو يقول:
"إن كل جوهر جسمي، لابد أن يتكوّن من مادة وصورة، ولايمكن أن توجد إحداهما بالفعل بمعزل عن الأخرى"."14"والوجود إنما هو ثمرة تلاقيهما، وما المادة إلا استعداد وتهيؤ للقبول، ووجود بالقوة... والصورة تحصيلٌ وتحقيقٌ بالفعل.."15"فهما متلازمتان، وتوهم مادة جسمية بمعزل عن الصورة، خروج بها من عالم الوجود الفعلي..."16"أما بالنسبة للصور فليست كلها جسمية. فهناك الصور المفارقة للمادة، ولا تتصل بها أبدًا ...."17"حتى الصورة المادية نفسها فإنها أقدم من مادتها الجسمية.... وواهب الصور يمنحها- الصورة- للمادة فيتم الوجود ."18"
واضح أن"ابن سينا"قد خالف"أرسطو"هنا فهو يحاول أن يوظف فكرة المادة والصورة لتفسير"الخلق". حيث أصبح الوجود يعني اتصال المادة بصورتها، والعدم انفصال هذه الصورة عن مادتها. والصور عند"ابن سينا"موجودة كلها في العقل الفعّال منذ الأزل، وهو الذي يمنحها فيتم الوجود... ويسلبها فيكون الفساد."19"