وطالما أن الإنسان قد تجاوز مرحلة البداوة... وطالما أنه ليس مريضًا"بالأفازيا"، وطالما أن شعوره يجعله يحس في كل موقف أنه أمام عدد من الإمكانات التي تتسابق في عرض نفسها عليه، فلابد من أن يجد نفسه مضطرًا للبحث في حقيقة هذا"الممكن".
تطور مفهوم الممكن
يعود الفضل لأرسطو"على الأرجح في الاهتداء إلى مفهوم الممكن، وذلك أثناء تفسيره لظاهرة الصيرورة"الحدوث / التغيّر". هذه الظاهرة التي تعتبر أهم ما يميز عالمنا. فقد كان"المجاريون"ينكرون أن يكون هناك وسط ما بين العدم والوجود، وينكرون أن يكون للشيء قدرة على الفعل، وأن تكون له القدرة على الصيرورة شيئًا ماقبل أن يصير هذا الشيء."
أما"الإيليون"، وعلى رأسهم"بارمنيدس"، فقد فصلوا تمامًا بين الوجود والعدم، وأنكروا أن يكون بينهما وسط ما"الوجود موجود، واللاوجود غير موجود.."وماهو هو، وماليس هو ليس هو"."
أما"أفلاطون"فقد اعتبر الوجود الحق، من حق المثل المطلقة وحدها، وماعدا ذلك من الوجود فعدم، ولا حقيقة له إلا بقدر ما يقترب من عالم المثل،."3"
لكن"أرسطو"رأى في تلك الآراء جميعًا عجزًا عن تفسير ظاهرة الصيرورة، ورأى أنه يستحيل تأويل هذه الظاهرة مالم نعتبر أن بين الوجود والعدم طورًا ثالثًا سماه"القوة"أو الإمكان. وإلا لم يكن ثمة فرق بين الممكن حدوثه، والممتنع حدوثه، وأمكن للشيء أن ينبثق عن الممتنع، وامتنع أن ينبثق عن الممكن، وهذا محال، إذ يصبح حدوث التغيّر"الصيرورة"على سبيل الطفرة، وهذا ما تكذبه المشاهدة. وسنعرض بإيجاز لتفسير"أرسطو"لظاهرة الصيرورة"الحدوث/ التغيّر":
المادة والصورة:
المادة.. وكما شرحها"أرسطو"في الكتاب السابع من"مابعد الطبيعة"هي:"ماليس بذاته شيئًا خاصًا، ولا هو كم ما، ولا يصح عليه أي من المقولات الأخرى التي يتعيّن بها الوجود، وهو مع ذلك ليس عدمًا أو سلبًا للصفات أو المقولات".