وإذا كنت أدعو إلى اعتماد كل الموروث، والعمل على فهمه واستيعابه، وتحريره من الفهم أحادي الجانب، ومن استلهامه، والاستفادة مما يمكن الاستفادة منه ، فإنني أدعو إلى الكف عن الممارسات المعاكسة، التي تتمثل بالرجوع إلى ذلك الموروث من أبواب ايديولوجية، بقصد البحث عن شهادة حسن سلوك لهذا الموقف أو ذاك. فمن المضحك والمبكي معًا، أن نجد باحثًا ايديولوجيًا- منهمكًا في البحث عن آية هنا، وحديث هناك وتطبيق عملي هنالك، ليعلن على رؤوس الأشهاد أن التراث العربي الإسلامي رأسمالي، يبيح حرية الملكية، وحرية السوق.... وليعلن أيديولوجي آخر، بعد أن يقوم بعملية مشابهة، لحساب ايديولوجيته، بأن التراث العربي الإسلامي اشتراكي، يقدم المصلحة العامةأو أنه صوفي.... أو أنه كذا... أو كذا وكأن هذا الموروث زجاجات أدوية منفصلة، تتجاور في صيدلية التاريخ، ومعدة بحيث يأخذ كل باحث منها، الدواء الذي يحتاجه، حسب الوصفة التي تمليها عليه أيديولوجيته، أو منطق بحثه، ناسيًا أو متناسيًا أن هذا التراث منظومة شمولية، مكونة من أنساق اجتماعية واقتصادية وفكرية متكاملة، وأنه وحده ، وأنه نسيج ذوكيان خاص، مهما تباينت الخيوط التي يتكون منها، لأن هذه الخيوط قد شكلت فيما بينها"توليفة"لها فلسفتها، ولها منطقها، ولها غاياتها. وإن أي تحليل يستهدف نسل بعض هذه الخيوط- تعسفًا-، دون غيرها لإدخالها في"توليفة"ملفقة جديدة، إنما يعني تمزيق النسيج الأصلي وصنع نسيج آخر.