فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 100

في الموروث- إذًا- مبادئ عامة، كليات، قواعد، منطلقات.... تم في ضوئها- عبر التاريخ- التعامل مع الوقائع، ومع الأحداث... بل إن الأحداث التاريخية إن هي إلا تطبيقات لتلك القواعد، أو بالأحرى فرصة لتطبيق تلك القواعد. ونحن وإن كنا نعتمد على تلك القواعد والمنطلقات إلا إننا لسنا ملزمين بفهم الأسلاف لها، ولا بتطبيقات الأسلاف لها- اللهم إلا من باب الاستئناس والاطلاع- وذلك لسبب بسيط جدًا هو أن المشكلات التي واجهتهم مختلفة، والأسئلة التي طرحت عليهم مختلفة، والمعلومات والخبرات التي أتيحت لهم في زمانهم كانت مختلفة. لذلك فإن أفكار الأسلاف، وترتيباتهم، وتنظيماتهم الاجتماعية والسياسية، ليست مقدسة، ولا تلزمنا في شيء:"فتطبيقات السلف ليست هوية، ولاتعني أن اصب الحاضر، أو المستقبل في قوالب الماضي، لأن هذه تجارب إنسانية هي تراث"موروث"، وليست هوية. فأنا لابد أن أحدد أين الهوية"التراث"وأين التراث"الموروث"، أين الثابت واين المتغير". (6)

وبكلمات أخرى: إن التراث"القواعد/ المبادئ/ الكليات/ المنطلقات"سيبقى حيًا ينبض في عروقنا- شئنا ذلك أو لم نشأ- فهو هويتنا، وعقليتنا وأنماط سلوكنا، وردود أفعالنا، وقيمنا، ومعاييرنا، والمنظومة المرجعية التي ننطلق منها، ونعود إليها، في تعاملنا مع محيطنا المادي والروحي والاجتماعي. وهذا ما عبر عنه"د. طيّب تيزيني"بالتواصل التراثي وماسماه"د. صلاح قانصوه"بالمتصل القومي. وبذلك لم يعد التراث جزءًا من الماضي... بل يصبح الماضي نفسه جزءًا من الحاضر:"ليس للمجتمع ثقافة واحدة مستمرة طول العصور، الذي يستمر هو تلك الجوانب التي تنفصل عن الثقافات المتتابقة وتتشابك معًا، لتبقى حية مؤثرة. فالمتصل القومي هو مجموع الجوانب المشتركة لدى أعضاء"أفراد"الأمة، رغم اختلافهم في النوع والجيل والمهنة والطبقة والتعليم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت