فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 100

ولكن العرب، فعلوا ذلك، من مركز قوة، فهل باستطاعتهم فعل ذلك اليوم؟ والتحكم في شروط التفاعل مع الحضارة الغربية الحديثة؟ إن هذا السؤال هو الذي ما زال يشغل المفكرين العرب منذ أن وجدوا أنفسهم أمام هذا التحدي الحضاري الكاسح، الذي يمارسه الغرب، الأمر الذي يهدد وجودهم ذاته:"المستشرقون، ومعهم كل الجمهور الغربي المثقف- والعصري- ينظرون إلى الشرقي الضائع بينهم، نظرتهم إلى ظاهرة تستثير الفضول: عم يبحث في أوربا؟ أو عند الأوربيين؟"وأقواله تعتبر بمثابة أخطاء يجب تحليلها، وحركاته بمثابة أعمال فاشلة يجهد المستشرق لتفسيرها". إلا أن المستشرق يرفض لذاته مثل هذه المعاملة، التي يعتبرها وقحة. إنه يمثل الإنسان السوي، الذي يلاحظ ويحلل، ويقيس نموذجًا مرضيًا . المستشرق يرفض أن يحلَّل هو بدوره، وأن يرى تقييمًا لنواياه ودوافعه- الواعية منها وغير الواعية- إنه ينصِّب نفسه قاضيًا.." (2) . وهو إذ يفعل ذلك، فشرعه، ومرجعه حضارة الغرب، التي تجعل من نفسها حضارة الإنسان!!! والحقيقة أن هذه الحضارة حين حققت هذه الإنجازات الباهرة، وأنتجت تلك القوة الجبارة المستبدة، جعلت الحضارات الأخرى تتساءل:"لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟""ولماذا هم أقوياء؟".... إلى آخر ما هنالك من صيغ مختلفة لسؤال جوهري واحد.

الغرب من جهته حاول أن يقدم نفسه: قوة ، حضارة، حداثة،... والآخرون رأوا فيه ما أراد هو أن يروه فيه- في مرحلة أولى على الأقل- مرحلة الدهشة"أو ما سمي الصدمة الحضارية". قبل أن يتم الوعي به والبحث عن الموقف الواجب اتخاذه إزاءه.

والغرب- نفسه- رأى في الشرق- كما سبق وذكرنا في فصل سابق- ما أراد هو أن يراه: شرق ألف ليلة وليلة، بصخب الأسواق، والتصرفات الصبيانية الساذجة، والألوان الزاهية الفاتنة....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت