فهذا"فولتير"يطلق أحكامًا عدائية قاسية على الإسلام، لاسيما في كتابه"محمد والتعصب". وظلت أفكاره محتفظة بعدائها، رغم محاولته فيما بعد أن يكسوها مسحة من الغموض، وأن يمنحها صياغة أكثر جدية، متجنبًا العبارات الفجة، وغير اللائقة، وهذا ما نجده في كتابه"محاولة عن العادات"...وقد حاول"فولتير"أن يوفق بين الآراء المتناقضة حول الإسلام، والأفكار المسبقة التي ما زالت مفاعيلها تضغط عليه من جهة، وبين عقله ومنهجه وطريقة تفكيره من جهة ثانية، فابتكر فكرة التمييز بين الإسلام المبكر"في عهد النبي صلى الله عليه وسلم"، حيث التعصب والتزمت"كما يزعم خاصة في كتاب محمد والتعصب، وبين الإسلام التاريخي المتسامح. فالإسلام، في زعمه قداتجه نحو التسامح العرقي، وأنتج رؤية متسامحة للشعوب والأعراق المختلفة التي حكمها، وكانت تلك الرؤية أشبه ماتكون بالنظام الديني الطبيعي (العلماني) ؟؟! وقد تلقف الباحثون الغربيون هذه الفكرة، واشتغلوا عليها كثيرًا."
وفي تطوير لفكرة (فولتير) ، قدم (جيبون) في كتابه (سقوط الامبراطورية الرومانية) - الذي يعتبره الناقد الأستاذ (حنا عبود) من الكتب المفيدة والممتعة، بل من أفضل ماأنتجه عصر الأنوار الباهت المنطفئ؟؟!!- اقول قدم (جيبون) فكرة ستصبح عزيزة على مايسمى (علم الإسلام الأوربي) ، تقوم على التفريق بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية من الدعوة الإسلامية، حيث سيتلقفها كثير من مفكري القرن التاسع عشر، ويشتغلون عليها، ويطورونها، ويبنون عليها الأحكام التي تعبر عن نفسها بصياغات قد تبدو لأول وهلة وكأنها صياغات علمية وموضوعية. إلى أن وصل الأمر ببعض المفكرين العرب والمسلمين إلى الأخذبها على علاتها، ناسين أن الأساس الذي قامت عليه أساس خاطئ، فالمجتمع المكي لم يكن أبعد عن المجتمع الحضري، والحياة الحضرية من مجتمع المدينة، بل إن مكة هي (أم القرى) ، أي أم المدن، والعاصمة التجارية والدينية للمنطقة.