جديد للمجتمع يذوب فيه الافراد نهائيا, ويقضي على الدوافع الذاتية قضاء
تاما... موضع التنفيذ, يتطلب قوة حازمة تمسك زمام المجتمع بيد حديدية,
وتحبس كل صوت يعلو فيه, وتخنق كل نفس يتردد في أوساطه, وتحتكر جميع
وسائل الدعاية والنشر, وتضرب على الأمة نطاقا لا يجوز أن تتعداه بحال,
وتعاقب على التهمة والظنة, لئلا يفلت الزمام من يدها فجأة.
وهذا أمر طبيعي في كل نظام يراد فرضه على الامة, قبل ان تنضج فيها
عقلية ذلك النظام وتعم روحيته.
نعم لو أخذ الانسان المادي يفكر تفكيرًا اجتماعيًا, ويعقل مصالحه بعقلية جماعية, وذابت من نفسه جميع العواطف الخاصة والأهواء الذاتية والانبعاثات النفسية, لأمكن أن يقوم نظام يذوب فيه الأفراد, ولا يبقى في الميدان إلا
العملاق الاجتماعي الكبير. ولكن تحقيق ذلك في الانسان المادي, الذي لا
يؤمن إلا بحياة محدودة ولا يعرف معنى لها إلا اللذة المادية يحتاج إلى معجزة
تخلق الجنة في الدنيا, وتنزل بها من السماء إلى الأرض. والشيوعيون يعدوننا
بهذه الجنة, وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه المعمل على طبيعة
الانسان, ويخلقه من جديد انسانًا مثاليًا في أفكاره وأعماله, وإن لم يكن يؤمن
بذرة من القيم المثالية والأخلاقية. ولو تحققت هذه المعجزة فلنا معهم حينئذ
كلام.
وأما الآن, فوضع التصميم الاجتماعي الذي يرومونه, يستدعي حبس
الأفراد في حدود فكرة هذا التصميم, وتأمين تنفيذه بقيام الفئة المؤمنة به على حمايته, والاحتياط له بكبت الطبيعة الانسانية والعواطف النفسية. ومنعها من الانطلاق بكل أسلوب من الأساليب. والفرد في ظل هذا النظام وإن كسب
تأمينًا كاملًا, وضمانا اجتماعيًا لحياته وحاجاته, لأن الثروة الجماعية تمده بكل
ذلك في وقت الحاجة... ولكن أليس من الأحسن بحال هذا الفرد أن يظفر
بهذا التامين دون أن يخسر استنشاق نسيم الحرية المهذبة, ويضطر إلى إذابة
شخصه في النار, وإغراق نفسه في البحر الاجتماعي المتلاطم؟!
وكيف يمكن أن يطمح بالحرية ـ في ميدان من الميادين ـ انسان حرم من الحرية في معيشته, وربطت حياته الغذائية ربطا كاملا بهيئة معينة, مع أن
الحرية الاقتصادية والمعيشية هي أساس الحريات جميعًا.
ويعتذر عن ذلك المعتذرون فيتساءلون: ماذا يصنع الانسان بالحرية والاستمتاع بحق النقد والاعلان عن آرائه, وهو يرزح تحت عبء اجتماعي
فظيع؟! وماذا يجديه أن يناقش ويعترض, وهو أحوج إلى التغذية الصحيحة