وبهذا كان المذهب الشيوعي حقيقًا بالدرس الفلسفي, وامتحانه عن
طريق اختبار الفلسفة التي ركز عليها وانبثق عنها, فإن الحكم على كل نظام
يتوقف على مدى نجاح مفاهيمه الفلسفية, في تصوير الحياة وادراكها.
ومن السهل أن ندرك في أول نظرة نلقيها على النظام الشيوعي المخفف أو الكامل, ان طابعه العام هو إفناء الفرد في المجتمع, وجعله آلة مسخرة
لتحقيق الموازين العامة التي يفترضها. فهو على النقيض تمامًا من النظام
الرأسمالي الحر الذي يجعل المجتمع للفرد ويسخره لمصالحه. فكأنه قد قدر
للشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية ـ في عرف هذين النظامين ـ أن تتصادما وتتصارعا. فكانت الشخصية الفردية هي الفائزة في أحد النظامين
الذي أقام تشريعه على أساس الفرد ومنافعه الذاتية, فمني المجتمع بالمآسي
الاقتصادية التي تزعزع كيانه وتشوه الحياة في جميع شعبها. وكانت الشخصية الاجتماعية هي الفائزة في النظام الآخر, الذي جاء يتدارك أخطاء النظام
السابق, فساند المجتمع وحكم على الشخصية الفردية بالاضمحلال والفناء
فأصيب الأفراد بمحن قاسية قضت على حريتهم ووجودهم الخاص, وحقوقهم الطبيعية في الاختيار والتفكير.
?المؤاخذات على الشيوعية
والواقع أن النظام الشيوعي وإن عالج جملة من أدوات الرأسمالية الحرة,
بمحوه للملكية الفردية, غير أن هذا العلاج له مضاعفات طبيعية تجعل ثمن
العلاج باهظا, وطريقة تنفيذه شاقة على النفس لا يمكن سلوكها إلا إذا فشلت سائر الطرق والأساليب. هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى هو علاج ناقص
لا يضمن القضاء على الفساد الاجتماعي كله, لأنه لم يحالفه الصواب في
تشخيص الداء, وتعيين النقطة التي انطلق منها الشر حتى اكتسح العالم في ظل الأنظمة الرأسمالية, فبقيت تلك النقطة محافظة على موضعها من الحياة
الاجتماعية في المذهب الشيوعي. وبهذا لم تظفر الإنسانية بالحل الحاسم
لمشكلتها الكبرى, ولم تحصل على الدواء الذي يطيب أدواءها ويستأصل
أعراضها الخبيثة.
أما مضاعفات هذا العلاج فهي جسيمة جدًا: فإن من شأنه القضاء على حريات الأفراد, لاقامة الملكية الشيوعية مقام الملكيات الخاصة. وذلك لأن هذا التحويل الاجتماعي الهائل على خلاف الطبيعة الانسانية العامة, إلى حد الآن
على الاقل ـ كما يعترف بذلك زعماؤه ـ باعتبارأن الانسان المادي لا يزال يفكر تفكيرا ذاتيا, ويحسب مصالحه من منظاره الفردي المحدود. ووضع تصميم