فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 255

يبدأ الزهاوي رحلته بالانتقال المفاجئ من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وهناك في القبر (أوّل منازل الآخرة) [1] ، يلتقي الشاعر الملكين منكرًا ونكيرًا، فيصف منظرهما بشيء من المبالغة والتهويل لإظهار هول الموقف فالقبر ليس فيه ما يؤنس، وكانا فظين غليظين معه في المعاملة ثمّ يبدأان بسؤاله عن بعض القضايا التي كان يؤمن بهاعندما كان حيًّا، كالإسلام والتسيير والتخيير والشعر والفنّ. غير أنّ الشاعر ينحرف بالسؤال، إذ يظهر تبرّمه من أسئلة الملائكة المتعلّقة بالدين، وعندما يلحفان عليه بالسؤال يتبرّم بهما ويشكو ويئنّ ثمّ يفصح عن مذهبه الذي عاش عليه ويتلخّص في قوله:

غَيرَ أنّي أُجلُّ ربِّيَ منْ إتْ ... ـيانِ مَا يأبَاهُ الحَجا والضّميرُ [2]

ثمّ يسأله الملكان عن الملائكة والجنّ والشياطين، وهي أمور يعدّ التصديق بها من صلب العقيدة وإنكارها يقود إلى الكفر والتجديف، ويبدي الشاعر كعادته شكّه في كلّ ما لا يقبله العقل يقول:

غَيرَ أنِّي أرتابُ في كلِّ ما قَدْ ... عَجزَ العقلُ عَنْهُ والتّفكيرُ [3]

ثمّ يتابع الملكان الأسئلة والشاعر يسخر مرّة ويرتاب أخرى ويراوغ ثالثة حتّى يظهر فلسفته الماديّة بكلّ وضوح في ردّه على الملكين لمّا سألاه عن الله:

ليسَ بين الأثيرِ واللهِ فرقٌ ... في سِوى اللّفظِ إنْ هداكَ الشّعورُ [4]

ويطلب بعد ذلك من الملكين أن يسألاه عن الشعر والفنّ وماذا قدّم من أعمال نصر بها الحقّ والوفاء والعمل في سبيل رفعة الوطن وبنائه غير أنّ الملكين يوضحان له أنّ الدار للحساب وأنّه ليس للشعر والفن مقام لدى أهل القبور، ويصل الحوار بعد ذلك إلى ذروة الجدل ويغدو مركّزًا سريعًا ينتهي إلى ضرب الشاعر وتقريعه من قبل الملكين وإعلانهما انضمامه إلى أهل الجحيم، يقول:

(1) الترمذي، سنن الترمذي، دار الفكر، دمشق، 1983، حديث رقم 2230.

(2) المصدر السابق، ص: 719.

(3) المصدر نفسه، ص: 720.

(4) المصدر نفسه، ص: 772.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت