فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 255

فتأخذ الشاعر نشوة المخمور وقد تبدّل الحال بعد المشيب إلى الشباب والقوّة فلابدّ أن يجدّد الشعر ويطرح القديم ليتناسب مع الروح الجديدة التي دبّت فيه فيرتّل من آي الشعر أبياتًا يؤذّن فيها ببدء العهد الجديد. وبينما يخطر الشاعر في هذه اللوحة الفنيّة التي تواشجت فيها عناصر الجمال، حيث رسم الشاعر صورة الحياة المتجدّدة في نفسه بعد أن كادت يبوسة الشيخوخة أن تقتلها، وقد تجاوز التسعين، يسمع هاتفًا يسفّه شعره وروحه التوّاقة إلى الجمال فيلتفت على طريقة الشعراء القدماء ليبرهن لهذا الطيف الذي قطع عليه نشوة الحلم وشاعريته، إنّه ذلك الشاعر الذي لا يشقّ له غبار في الوصف، غير أنّ الطيف يعيب عليه نزوعه إلى القديم البالي من الشعر ليكرّر على سمعه:

لَمْ تَزَلْ مِنْ طِرَازِ شِعْرِكَ هَذَا ... في نُزُوعٍ إلى القَدِيمِ العَاتِي [1]

ويرد عليه الشاعر مُغضبًا: أن اسمع هذا التصوير من أفانين الشعر فيرسم له لوحة شعريّة لا تملك النفس أمام صورتها وألوانها الأخّاذة وأريجها الفوّاح، وحورها الحسان إلاّ أن تترنّح سكرى جذلى. ويظلّ الشاعر في هذه الصور إلى أن ينتزع منه الإعجاب والاعتراف بالشاعريّة الفذّة ليسمّيه شاعر الخلد والفنّ والنّفحات والنّفثات.

وهنا ينتهي الحلم على غرور يملأ رأس الشاعر وقلبه فيستيقظ ليجد نفسه على حالها من شيب وتقوّس ظهر وقناعة أنّ الناس تهوى السخافات والترّهات ولا تقدّر العلماء.

(1) المصدر نفسه، ص: 303.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت