انحسر الضيق الذي نزل به مذ عبرت هذه المرأة الباب والباحة، وتمكّن من كبح بعض انفعالاته، ورفع رأسه.
-جئت إليك كرجل فاضل أولًا، وكرجل يعمل لآخرته ودنياه، ويؤمن بالحياة كما يؤمن بالموت، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومن بعده أئمة المسلمين يوسعون للنساء صدورهم. فهل أخطأت السبيل؟..
أدار وجهه. سحابة بيضاء غشيت المكان، تناثر فوق أديمها نثار فوسفوري، ما لبث أن ازداد تلألؤا، وتوهّجًا، فتوهّج الفضاء. تابعت:
-أنا أدرك أنّي لم أخطيء، ولا أعرف إلى الخطيئة سبيلًا، وما قصدتك إلا لحاجة لن يقضيها لي.. غيرك.
استطاع بعد جهد أن يرفع نظراته إلى وجه المرأة التي ما تزال واقفة باحترام وأدب. رأى شمسًا تسفر عن حسنها ذات صباح ربيعي، فغضّ طرفه، وهو يشير إلى مقعد في زاوية من المكان:
-ماذا تبغين يا امرأة؟
رآها جالسة عندما صعّد طرفه، فحمل نظراته إلى الكتاب الذي أمامه، قالت:
-إنني امرأة وحيدة..
لم يجد كلمة يقولها، لكنّ صوت المرأة ما لبث أن عاد إلى أذنيه:
-سقط زوجي في الجهاد، وليس لي من يهتمّ بأمري، ويقيل عثرتي، ويشاركني في حلو الأيام ومرّها..
ظلّ صامتًا، فتابعت:
-أنا امرأة ولود. وضعت غلامًا، ومات هو الآخر..
كان الأمر يزداد غرابة، والحيرة تجعل الرجل كقطعة جماد، لا يمكن لشيء أن يغير في تضاريسها، ومع ذلك كان صوت المرأة ما يزال يندفع واثقًا وقويًا يهدهد سكون الشيخ:
-قد يبدو الأمر غريبًا، لكنّه ليس كذلك. فكّرت طويلًا قبل أن أقرر المجيء إليك، ولم أفعل إلا لأني أعلم أنّ أخواتٍ لي خطبن بعولتهنّ في عهد النبي الكريم، وبعد انتقاله إلى جوار ربّه..
دخل أحد الغلمان حاملًا وعاء مملوءًا بالماء، وضعه أمام الشيخ وانصرف. وعندما ابتعد، عادت المرأة إلى الحديث:
-وجدت أنّ حاجتي لديك.
رفع رأسه، كان يشعر بإرهاق، وكان يشعر بحيرة ما عرف لهما مثيلًا.
سألها:
-ما.. حاجتك؟
ابتسمت بامتنان، وقالت: