وللحق أعترف أنّني كلّما كبرت في العمر ازددت تخوّفًا من عبيد.. منذ أعوام ربّما منذ حملت الدفاتر والأوراق والكتب والأقلام، وأنا أكتب لعبيد حتى أصبح كاتبًا معروفًا. كتبت له الشعر والخاطرة والقصة والمقال والدراسة، وسهرت ساعات الليالي الطويلة، ووصف لي طبيب العيون عشرات العدسات الطبية، لقصر البصر وبعده وانحساره وانكساره. للألم، والوضوح، والصداع ورفيف الأجفان، وتابعت الكتابة، وكان عبيد يرسم اسمه أعلى الصفحات أو يذيلها به، وأكون قد أملت رأسي وأطرقت، ضاغطًا أناملي المتعبة المرتعشة، على مجموعة دريهمات، تقلّ أو تكثر، لقاء ما ملأته من فراغات فوق المستطيلات البيضاء.
مع الأيام بتّ أكره هذا العمل. غمر الكره حياتي كلّها. امتد كمادةٍ لزجة غطّت جسدي، واعتقلت نبضي وأنفاسي، وأعترف أنّ الأمر منذ البداية كان مملأ، ومقيتًا إلى درجةٍ تجعل المرء يحسّ بالوضاعة والتفاهة، ومنظر عبيد- وقد حملت إليه أوراقي وتعبي وألم عينيّ الممضّ- وهو يلقي نظرة عجلى لامبالية إلى أحمالي ويزين أعلاها أو أسفلها باسمه، كان يضخم إحساسي بشناعة ما أفعل، ووضاعة من يبيع نفسه بأبخس الأثمان.
وفكّرت بنهاية لهذه العلاقة الشائهة، فلم يعد من المحتمل الرضوخ لجبروت عبيد، ولابدّ من إيقافه عند حد، وتحديه ورفض عبوديته المطلقة مهما كان الثمن.
أخبرت زوجتي بما قلته لعبيد، وأطلعتها على ما يدور في خلدي، فضحكت ساخرةْ وقالت:
-رجلْ مجنونٌ يشتهي أن يوصف بالخرف، ولعلك تعاني من انفصام في أواخر أيامك. كيف تتحدى عبيد ودراهمه تجلب الفرح إلى وجوه أطفالك. أنا لا أنكر أنه فرح قليل، لكنّه أفضل من الجوع والإنتظار.. والحزن على كل حال.