أيّام تطوافِكم على العملماءِ والأساتذةِ والمرشدين. بل تحتاجون اليوم بالضبط إلى الأسلوب الأمثل في الأداءِ والحوار.
إنّ حفظ فواعد اللّغة العربيةِ وقوانينِ الأدبِ والبلاغةِ كانت له أيّامٌ مضتْ من غير رجعةٍ. فإن كنتم قد زرعتم البذورَ في تلك الأيّامِ، فلا بدّ وقد حصدتمْ ثمارَها؛ وبالتّالي فلا حاجة لكم إلى حفظ هذه القواعدِ واحصاءِها وتكرارِها من جديد. وإنّما تنحصِرُ مهمّتُكم اليومَ في تطبيق تلك القوانين وإجراءِها على كلامِكم وأسلوبِكم في الإنشاءِ والحوارِ والخطاب باللغة العربية. وهذا سيساعدُكم في الهيمنةِ على النّفوسِ (لا لاستغلالها والتّحكّمِ فيها، بل لإصلاحها وتهذيبها ولقضاءِ حاجتكم من النّاسِ في الوقتِ ذاته) .
إنّ مَثَلَكم كمَثَلِ سائقٍ ماهرٍ في مهنتِهِ، ولكن غيرِ واثقٍ من نفسِهِ. وهل وجدتم مثلًا، سائقَ مركبةٍ آليّةٍ (بعد أن تمرّسَ على القيادةِ، وحصل على الرّخصةِ الرّسميّةِ لها) ؛ هل يجوز أن يعودَ هذا السّائقُ فيتردّدَ في معرفتِهِ للقيادةِ، ويختبِرَ كفائَتَهُ فيها؟! هذا أمرٌ في منتهى الغرابةِ.
إذًا يبدو أن المشكلة التي تعانونَها في مسألة المعرفةِ، يبدو أنها لا تكادُ تنكشف لكم أسرارُها حتى هذه اللّحظةِ. وهذا من أخطر المواقف. نعم ما أشدَّ خطرًا على الإنسانِ أن يلتبسَ عليه مقاصِدُهُ، وتعيا مذاهبُهُ.
إنتم في هذا الوقت، وعلى هذه الدّرجةِ البالغةِ من المعرفةِ بقواعد اللّغةِ العربيّةِ وقوانين البلاغةِ، لستم في حاجةٍ إلى تكرارِ ما قد أحصيتم فيما سلف. بل أنتم بحاجةٍ ماسّةٍ إلى تهذيب أسلوبكم في الأداءِ نطقًا وإنشاءً. لأنّكم اليوم في غالب أوقاتكم تحتكّونَ ببني جلدتكم وتكلّمونهم بلغتهم (اللغة التركية) ، وهي ربما تطغى يومًا على رصيدكم من اللغة الغربية فتخسرونَ قسطًا بالغًا منها!