فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 38

فرزقني مجالسةَ أبناءِ هذه اللغةِ على أرضهم بالذّات، ووجدتُ نفسي في لحظةٍ من اللّحظاتِ عاجزةً عن التّعبيرِ بلغتِهم في بدايةِ أمري - على الرغم من أنّي عربي الأصلِ-، وأنا في حيرةٍ واستغرابٍ أمامَ هذه الصّدمةِ، كيف أفنيتُ عشرينَ عامًا في دراسةِ اللّغةِ العربيةِ، وتخرّجتُ على يدِ أشهر العلماءِ المتبحِّرين في لغةِ الضّادِ! اعترتْني حالةٌ من العيِّ كأنِّي أُلْجِمتُ؛ فلم أرَ لهذه المشكلةِ حلاًّ حتّى انقشع الغبارُ عن وجه الأمرِ، فعرفتُ بعد ذلك بالتّأكيد أنّ هناك أمورٌ دقيقةٌ لم تتبيّن لي أو لم أفطنها عبر مدّةٍ أرْبتْ على عشرين عامًا درستُ خلالها اللّغةَ العربيةَ. ولم أذكر عبر هذه المدّةِ كلِّها أنّ أيَّ لغةٍ يسعى في سبيلِها طالبٌ ليعبِّرَ بها عن مقاصدِهِ يومًا من الأيّامِ إلاَّ ويتحتّم عليه أن يتلقّاها ممّن يتقنها نطقًا وكتابةً. ولم أذكر من ذي قبل أن الّذين درستُ على أيديهم عشرين عامُا كانوا أعجامًا غالبهم من عناصر كرديةٍ لم يتّفق لأحدهم أن كتب باللغةِ العربية حتّى صفحةً واحدةً من الورقِ فصبَّ عليها من أدنى أحاسيسه، أو تكلّم باللّغةِ العربيةِ ساعةً من الزّمنِ، فعبَّرَ خِلاَلَهَا عن شيءٍ مما يجول في خلدِهِ!!!

إذن، فأين لأولئك العلماءِ (!) الّذين درسنا على أيديهم وأحصينا وحفظنا تحت إشرافهم كلَّ ما أحصاه سيبويه، وابنُ جنّي والزمخشريُّ وغيرُهم من أئمّةِ اللّغةِ، أين لهم أن يكتبوا باللّغةِ العربيةِ حتّى كلماتٍ معدودةً يشرحون بها عن أدنى شيءٍ يجولُ في صدورِهم!! أين أحدُ منهم نُشِرَتْ له مقالةٌ أو كتابٌ، أو ألقى محاضرةً، أو حتّى شرح لتلامذتِهِ دروسَهم باللّغةِ العربيةِ مع أنّهم يدرِّسونَ قواعِدها من صرفٍ ونحوٍ وبلاغةِ وما إليها ... فهل سمعتم بمثل هذه المهزلةِ؟!!

هذه الحقائقُ لمّا أفاقتني من تلك النّومةِ الّتي أخذتني مدّةَ عشرين عامًا، بعد أن رجعتُ إلى تركيا من البلاد العربية عام 1986م. بدأتُ أزور المدارس القرآنيةَ وأتباحث عن حقيقةِ هذه المشكلةِ بطريق الحوار مع المدرِّسين بهذه المدارسِ ومع شيوخ الصّوفية الّذين يستغلّون هذه المدارسَ في توسيعِ محيطهم، عثرتُ على حقائقَ أخرى أدهشتني وزادتني حيرةً واستغرابًا. فأثبتُّ أنّ هذه المدارس المنتشرة بأنحاءِ تركيا، يتخرّج منها جمهورٌ من الطّلبةِ وهم يحفظون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت