فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 16

علّتكم، وليوقظ به غفلتكم، واعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت، وموقفون على أعمالكم ومَجْزِيُّون بها، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا، فإنها دار بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دول وسجال، لا تدوم أهوالها، ولن يسلم من شرها نُزّالها، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور، أحوال مختلفة وتارات متصرّفة، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدَفة، ترميهم بسهامها، وتقصمهم حمامها، وكلٌّ حتفه فيها مقدور، وحظه فيها موفور، واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من زهرة الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا، وأشدّ منكم بطشا، وأعمرُ ديارا، وأبعد آثارا، فأصْبَحَتْ أموالهم هامدة من بعد نُقْلَتِهم، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، فاستَبْدَلوا بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والأحجار في القبور التي قد بُني على الخراب فناؤها، وشُيِّد بالتراب بناؤها، فمحَلّها مقترِب، وساكنها مغترِب بين أهل عمارة مُوحشين، وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان على ما بينهم من قُرْب الجوار، ودُنوّ الدار، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البِلى؟ وأظلتهم الجنادل والثرى؟ فأصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد غضارة العيش رُفاتا، فُجِع بهم الأحباب، وسَكَنُوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات، كلا إنها كلمة ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون، وكأنْ قد صِرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى، وارتُهِنتم في ذلك المضجع، وضمّكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور؟ وبُعثرت القبور، وحُصِّل ما في الصدور، ووقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، وهُتكت عنكم الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار، هنالك تُجزى كل نفس بما كسبت. اهـ.

وشيع عليٌّ رضي الله عنه جنازة فلما وُضِعت في لحدها عجّ أهلها وبَكوها، فقال: ما تبكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لأذهلتهم معاينتهم عن ميِّتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت