فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 20

فانظر إلى فقهِ هذا الصحابيِّ الجليل. أعني سلمانَ رضي الله عنه. كيف قدّم الحقوق والواجبات على النوافل من الصيام وقيام الليل، وما ذلك إلا لأن حقَّ الأهلِ أولى، وهو ما أقرّه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.

فكيف بمن يضيع الأوقات في السهر على المحرمات ويترك الحقوق والواجبات؟!

قال ابن حجر: وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خُشي أن ذلك يُفضي إلى السآمةِ والمللِ وتفويتِ الحقوقِ المطلوبةِ الواجبةِ أو المندوبةِ الراجحِ فعلُها على فعلِ المستحب المذكور.

ومثله قصة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

قال رضي الله عنه: أنكحني أبي امرأةً ذاتَ حسب، فكان يتعاهد كَنَّتَهُ فيسألها عن بعلها، فتقول: نِعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يَفْتش لنا كَنَفًا مذ أتيناه ‍! فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: القني به. فلقيته بعد، فقال: كيف تصوم؟ قلت: كل يوم. قال: وكيف تختم؟ قلت: كل ليلة. قال: صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر. قال قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة. قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: أفطر يومين، وصم يوما. قال قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: صم أفضل الصوم. صوم داود. صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرّة. فليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.

وفي رواية في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: فلا تفعل. صم وأفطر، وقم ونَم، فإن لجسدك عليك حقّأً، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا.

وفي رواية: زوّجني أبي امرأة من قريش، فلما دخلت على جعلت لا أنحاش لها مما بي من القوة على العبادة من الصوم والصلاة، فجاء عمرو بن العاص إلى كَنّته حتى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرجال أو كخير البعولة مِنْ رجل لم يَفتش لنا كَنَفًَا، ولم يعرف لنا فراشا، فأقبل عليّ فعذلني وعضّني بلسانه، فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فَعَضَلْتَها وفعلت وفعلت، ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكاني فأرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته - ثم ذكر الحديث. كما في المسند.

ومعنى (عضّني) أي شدّد علي القول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت