بسم الله الرحمن الرحيم ...
قوله تعالى:
(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ ? مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ? لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ? قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [1] (
هذا المطلع القارع في هذه السورة له سببه لموضوع السورة الكلي، فهي تتحدث عن عاقبة الأنبياء مع أقوامهم، وحيث إن مقدمات العاقبة في مطلع الدعوة لا تكون لائحة لِما مع القوم من القوة، ولِما هُم فيه من الاستقرار، ولهذا فهُم (فِي غَفْلَةٍ (وذلك للحاضر الخادع، ولغياب النظر في يد الله وأمره وحكمته، ولقلة التفكر في الأمم السابقة وما جرى عليها، وحين تغيب العاقبة القريبة عن النفس الجاهلة فإن غيابها عن العاقبة البعيدة - وهي الساعة - أبعد.
فهما عاقبتان للمعرضين حين تبدأ الدعوة بالصدع والبيان، أمّا العاقبةُ الأولى فهي انتصار هؤلاء الضعفاء المساكين، إذ أمرهم وهُم في رعاية الله وحفظه وفي تمسكهم بالحق والاهتداء به يجري من الضعف إلى القوة، ومن القلة إلى الكثرة، حيث تزيد الأرض التي يملكونها، وتقل أرض خصومهم، وهذه عاقبة لا يراها المستكبرون، ولا يقابلون التنبيه عليها إلا بالاستهزاء والاحتقار، فلا يوجد مع البدايات أي إشارة لهذه العاقبة، وأما كون الحق مع الدعاة فهذه قضية لا يجعلون لها أثرًا، ولا يقيمون لها عناية في هذا الصراع. وأما العاقبة الأخرى فهي القيامة ولقاء الله، وكما أن القوة في العاقبة الأولى ستار يحجبها فإن الترف والغفلة في العاقبة الثانية ستار يحجب العقول الجاهلة عن البصر والنظر والتفكّر. فهكذا جاء هذا المطلع ليقرر مبدأ الغفلة دون سواه مانعًا من رؤية العاقبة، وستارًا من إبصار الغد الذي لا مفرَّ منه، وحجابًا عن التفكر والنظر والاعتبار.
وفي هذا المطلع تقرَّر حقيقة ربانية وهي: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ (، وهذا اللفظ القرآني شامل لمعنيين:
-اقتراب القيامة؛ فرسولُ الله وبِعثتُه علامةٌ من علامات الساعة كما قال تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ (ولقوله (:(( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْن ) )وأشار للسبابة والتي تليها، وهذا المعنى فيه أمور منها: أن أُمّته (آخر الأُمم، فلا أُمَّةٌ ترثها، فلو كان هناك أُمَّةٌ ترثها لكان لها رسولٌ آخر لقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ (،
(1) الأنبياء: 1 - 4