ورسول الله (خاتَمُ الرسل فأُمَّته خاتمة الأُمم. وهذا الخبر القرآني وهو ينزل في مكة على رسول الله (ليهدي أن هذه الأُمَّة لن يصيبها ما أصاب الأُمم السابقة من الهلكة، ولن يقع عليهم الاستئصال، ويضاف لهذا أن في هذه السورة كما سيأتي خبر وفاة رسول الله (في قوله: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ? كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (فدلَّ هذا على أن أُمّته سترثه من بعده إلى قيام الساعة، وهذا وعدٌ مطوي في هذه السورة يعلمه من علمه ويجهله من جهله.
ثم إن في هذا المعنى جريانُ الأحداث في الوجود على غير معنى الاستئصال للخصوم، فلم يحدث منذ بعثة النبي (أن أهلك الله قومًا إهلاكًا شاملًا، إنما هي الهداية أو الضلال، وهذا خلال الأمم السابقة حيث كان عاقبة دعوة النبي لقومه أن يهلك الله العصاة وينجي المؤمنين، كما حدث مع قوم نوح وعاد وثمود وأهل مدين، ولذلك فهذه أمة مبتلاة مع خصوم لا يبيدون ولا يهلكون إنما هي الهداية لبعضهم كما أكرم الله رسوله بهداية أهل مكة والطائف واليمن في حياته، وكما أكرمه بانتشار الدين في شرق الأرض وغربها بعد وفاته، وكذلك الضلال والإعراض مع آخرين، وهكذا سيجري البلاء لهذه الأمة مع الأمم الأخرى على هذا النسق والوفق، فلا هلكة ولا استئصال، ولذلك يقول النبي (:(( تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ ) )ويقول: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ ) )ويقول: (( يَتْبَعْ الدَّجَّالُ مِن يَهُودِيَّةِ أَصْبَهَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمْ الطَيَاَلِسَة ) )فخصوم النبي (في زمانه هم خصوم أُمّته من بعده، وهكذا إلى قيام الساعة، ذلك لأن الزمن واحد من بعثة رسول الله (إلى قيام الساعة.
ومن فَقِه هذا الأمر على وجهه أدرك سُنّة التداول بين هذه الأُمَّة وبين خصومها، كما كانت سُنّة التداول بين رسول الله (وبين خصومه ثم تكون العاقبة له، وكذلك في كل موقعة بين أهل الإيمان وخصومهم تكون العاقبة للمؤمنين، ثم تدور الدائرة، وتبدأ سوق جديدة حتى تقوم الساعة، وهذا بيِّنٌ في تاريخ هذه الأُمَّة، حيث جرى لها هذا المعنى مع خصومها، فيوم لها ويوم لهم، وفي كل مرة يحصل أن ينجز أهل الإسلام إنجازًا حميدًا وأرضًا جديدة وتقدمًا لأهل الإسلام، في حركةٍ مطردة لا تتخلف إلى يومنا هذا، والمنكر لهذا المعنى إنما يؤتى من جهله ومن قلة نظره وبصره للعواقب والأحداث.
وكذلك من فِقْه هذا الأمر؛ أن يعلم أهل الإسلام أن وجود أعدائهم هو ثمن قدر لازم لهم، وأن التنازع بينهم ليس عاقبته على وجه الاستئصال والإفناء إنما على وجه التدافع، فلن تفنى إحدى الطائفتين إلى قيام الساعة، بل