مكان النزول:
اختلف أهل الرواية والتفسير في مكان نزول هذه السورة إلى ثلاثةِ أقوالٍ معروفةٍ في كتب التفسير، فهناك من قال بمكيّتها، وهناك من قال إنها مدنية، وهناك من قال بوجود آياتٍ مدنيّة وأخرى مكيّة، وحيث أن الجزم عن طريق الرواية صعب وبعيد فإن الطريقة العلمية الملائمة للفصل في هذا الباب هو دراسة مواضيع السورة؛ ذلك بأن أهل العلم رأوا قواسم للسور المكيّة وأخرى مدنيّة، ومن خلال هذه الموازين يمكن المقاربة في إدراك مكان النزول، ومَبْحث مكان النزول مهم في التفسير جملة، وتُعرفُ آثاره في مسائل متعددة في كتب أهل العلم، ولكن ما يهمنا في دراسة هذا الَمبْحث هنا في تفسير سورة العنكبوت هو معرفة الحالة التي كان يحياها الصحابة - رضي الله عنهم - وقامت هذه السورة العظيمة بمعالجتها، وهذا مبحث تربوي وهو أهم مقاصد القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم كان يواكب حالة الداعي والمستجيب والمُعرِض فكرًا ونفسًا، فيجيب على الأسئلة ويُقوّم المسيرة، ويُصلح النفوس، ويُقوّي الإرادات الساكنة لتُواصل الرحلة. وحين يدركُ الناظر ظروف الآيات فإنه يرفعها عند اللزوم والاعتبار لمشابهة الحالة بالحالة، مع الإقرار بأن عموم اللفظ أَوْلى من خصوص السبب، لكن معرفة السبب ومنه البيئة التي تنزلت فيها الآيات يكون أولى المعاني في معرفة مقاصد الآيات ومعانيها.
بالنظر إلى آيات هذه السورة يمكن الاستشهاد للقائلين بمكيّتها بأمور، منها:
1.لقد ذُكر في هذه السورة مراجعات بين الكافرين والمؤمنين هي أقرب ما تكون للمراجعة الحاصلة بين قريش والمؤمنين، وذلك مثل قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [1] } وهذه الخدعة الكافرة يكاد أهل التفسير يتفقون بأنها إحدى عروض قريش على المؤمنين من أهل مكة؛ ذلك بأن هذا الحوار فيه معنى الضعف المدعو ماديًا، واستعلاء الداعي، وهي حالة مكيّة، إذْ أن حال المدعو تدل على أنه يتحمّلُ أعباء معاناة حاضرة رجاء مغفرة الذنب يوم القيامة، ويخلو من ذلك الداعي، وحالة مكة هي كذلك. فالمؤمنون هم الذين يتحملون المشاق رجاء الغفران، ومع أن حالة البلاء غير مذكورة في الآية إلا أنها حاضرةٌ في معنى الخطاب، وهي حاضرةٌ في السورة كلها كما هو معلوم.
2.لقد كانت السور المكيّة هي صاحبة الاختصاص تقريبًا في ذكرِ بلاء الأنبياء مع أقوامهم المعاندين، وفيها القصص للحوار الدائر بينهم لِما يتعلق بالتوحيد وموضوعه، وسورة العنكبوت فيها هذا كما قال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ
(1) العنكبوت: 12