مجموع الروايتين أن قوله عليه الصلاة والسلام: (السيد الله) هو تنبيه إلى أن السيادة الحقيقة إنما هي لله عز وجل، فخشي عليه الصلاة والسلام من مبالغتهم في وصفه، أن يؤدي بهم ذلك الوصف إلى الإشراك بالرسول صلى الله عليه وسلم مع الله ولو في اللفظ؛ لأنه من الفقه في التوحيد الذي يخفى على كثير من أهل العلم فضلًا عن غيرهم، أن الشرك له أقسام كثيرة، والذي يهمنا الآن هو التفصيل الآتي: شرك اعتقادي، وشرك لفظي، فحينما نهى الرسول عليه الصلاة والسلام أولئك وقال لهم: (السيد الله) خشي عليهم أن يقعوا في الشرك اللفظي، أي: أن يقولوا لفظًا يمكن أن يطلق على الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن المعنى الحقيقي له إنما هو لله تبارك وتعالى، فبيانًا لهذه الحقيقة قال: (السيد الله) وبيانًا للسيادة اللائقة به عليه الصلاة والسلام، التي هي دون ودون ودون -أكرر ملايين (دون) - سيادة الله الحقيقية، هي هذه السيادة التي قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، أنا سيد ولد آدم) فبناء على هذا التفصيل: إذا قال المسلم في بعض الأحيان: سيدنا رسول الله، وهو إنما يعني السيادة اللائقة به، وهو نبي مصطفىً مخلوق، فهذا جائز بلا شك؛ لأنه سيد حقًا، لكن إذا قال: سيدنا، وضمن هذه اللفظة معنىً فوق مستوى البشر، فحين ذلك يقال له: السيد الله، السيادة الحقيقية هي لله عز وجل. ونجد أن الصحابة رضي الله عنهم نادرًا ما كانوا يستعملون لفظة السيادة هذه؛ لأن الغالب عليهم أنهم يقولون: قال رسول الله، وإنما جاء في حديث موقوف في سنن ابن ماجة على ابن مسعود، أنه ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام لفظ: سيد المرسلين، ومع ذلك ففي السند ضعف، فإذا قال المسلم أحيانًا: قال سيدنا رسول الله، من باب بيان أن للرسول عليه الصلاة والسلام هذه السيادة على جميع البشر، كما سمعتم آنفًا؛ فهذا حق، لكن الغالب أن يقول: قال رسول الله، قال عليه الصلاة والسلام.. كما جرى عليه السلف الصالح، إلا في العبادات في الأوراد والأذكار التي جاءتنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم تعليمًا منه لنا، فلا يجوز أن ندخل لفظة سيد في ورد من تلك الأوراد؛ وذلك لأن التعليم النبوي للمسلمين ليس فيه نقص حتى يأتي أحدنا فيستدرك هذا النقص عليه، فالله عز وجل حينما أنزل قوله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] قالوا: (يا رسول الله! هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال عليه الصلاة والسلام: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ... إلخ) لم يقل لهم: قولوا: اللهم صلِّ على سيدنا. وهنا أذكر وهمًا شائعًا للتنبيه على خطئه، يقول بعضهم، ومع الأسف أنه من أهل العلم: كيف يأمر الرسول الناس أن يقولوا: سيدنا، وهو رسول الله وهو متواضع، ولا يليق بتواضعه أن يأمر الناس أن يسودوه، وأن يقولوا: اللهم صلِّ على سيدنا؟ هذه غفلة تشبه غفلة المستبيحين للتصوير الفوتوغرافي، بحجة أن الرسول لا يعرف ما يصير فيما بعد، ونسوا أن هذا الكلام: (كل مصور في النار) ليس من عنده، وإنما هو من الله، ونسوا أيضًا أن قول الرسول: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد) ليس من عنده، إنما هو من وحي السماء، فالله