(أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما حج وحج الناس معه -وكانوا ألوفًا مؤلفة- كان منهم القارن، ومنهم المفرد، ومنهم المتمتع) فمن كان قارنًا مع الرسول عليه السلام ومفردًا كانوا على قسمين: جمهورهم لم يسوقوا الهدي وإنما نحروا في منى، والقليل منهم ساقوا الهدي من ذي الحليفة . وعلى هذا فيمكن أن نقول: إن الذين حجوا مع الرسول عليه السلام منهم من ساق الهدي ومنهم من لم يسق الهدي، فالذين لم يسوقوا الهدي، أي: من كان قد قرن أو أفرد ولم يسق الهدي، فقد قال لهم عليه الصلاة والسلام في أول الأمر وهم ينطلقون من المدينة إلى مكة: (من كان منكم لم يسق الهدي وأحب أن يجعلها عمرة فليفعل) ، فنجد هنا أن الرسول عليه السلام رغبهم ولم يعزم عليهم. ثم في مرحلة أخرى لما جاء مكة وطاف حول الكعبة وسعى، قال لهم: (من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة) ، من قبل قال: (من أحب أن يجعلها عمرة فليفعل) وفي الأخير استقر حكم الله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام: (من لم يسق الهدي فليجعها عمرة) ، فبادر بعضهم فتحلل. ومعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فليجعلها عمرة) أي: فليفسخ نيته السابقة، سواء كان حج مفردًا أو حج قرانًا، وليحولها إلى نية جديدة، هي العمرة، ولازم ذلك أنه مجرد أن ينتهي من السعي بين الصفا و المروة يحلق شعره أو يقصه، وبذلك تنتهي العمرة، فيتحلل منها ويبقى حلالًا إلى اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وهو اليوم الذي يسمى بالتروية. فبعض أصحاب الرسول عليه السلام بادروا إلى التحلل، إلى فسخ الحج إلى العمرة، لكن بعضهم ضلوا في إحرامهم، فلما بلغ الخبر إلى الرسول عليه السلام غضب، ورأته السيدة عائشة فقالت: (من أغضبك يا رسول الله؟ فقال: ما لي لا أغضب وأنا آمر الناس بأمر الفسخ ثم لا يفعلون) فخطب فيهم الرسول عليه السلام مرة أخرى، فقال: (أيها الناس من لم يسق الهدي فليتحلل، ولولا أني سقت الهدي لأحللت معكم، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) ، حينذاك بادر أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام فتحللوا جميعًا، وكما يقول جابر وغيره: [فسطعت المجامر وأتين النساء] ، أي: تحللوا. من هنا نأخذ أن حج التمتع هو الواجب على كل حاج، إلا من ساق الهدي من الحل فله أسوة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانت حجته كذلك، وإن كان في قوله الأخير: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة) ما يشعر بأن الأفضل بالنسبة إلينا بعد حجة الرسول عليه السلام ألا نسوق الهدي أيضًا، هذا هو الأفضل، لكن فإن فعل ذلك فاعل فليس لنا عليه سبيل من الإنكار؛ لأن الرسول عليه السلام فعل ذلك وما أنكره، بخلاف حج الإفراد، وبخلاف القران الذي لم يسق معه الهدي. ونحن نؤكد إفادة وخطابة أن كل من أراد الحج فليجعل حجته متعة، ثم عليه بعد ذلك شكر الله عز وجل، وأن يقدم هديًا إن وجد إلى ذلك سبيلًا، وإلا صام سبعة أيام حسبما فصل الله عز وجل ذلك بالقرآن، فقال: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ) [البقرة:196] . وكثير من الناس الذين