الصفحة 3 من 23

لم يكن ينظر إلى المعنى الشعري في الدراسات النقدية القديمة بوصفه مباينًا لأنماط المعاني التي تقدمها العلوم الأخرى، بلْ ظلَّتْ هذه النظرية تنظر إلى المعنى بوصفه جزءًا من المعارف العامة التي يمكن أن تفيدها العلوم الأخرى، ومع أن عددًا من النقاد العرب القدماء، كالفارابي، والكندي، وغيرهما، ممن أفادوا من دراساتهم الفلسفية، قد سعوا إلى تأكيد أن الشعر يمكن أن يقدم حقيقة تختلف - بنوعها - عن الحقيقة التي تقدمها أنماط الفنون الأخرى فإن مسألة المعنى عندهم ظلت مرتبطة بالجانب الحكمي، أو الأغراض المدنية التي يفيدها الشعر، وقد سعى قدامة، مخلصا في سعيه، إلى إقامة علم خاص بالشعر يميزه من غيره من الفنون الأخرى، لكن سعيه هذا ظل مقترنًا بالمنطق العقلي الذي لم يتمكن قدامة بن جعفر من مغادرته، ولهذا تسعى هذه الدراسة إلى الوقوف على هذه القضية بأبعادها المختلفة، ولاسيما أن قدامة كان واحدًا من الفلاسفة الفضلاء الذين حاولوا أن يطبقوا مقاييس المنطق العقلي على الشعر.

النظرية عند قدامة:

ليس من شك في أن الثقافة اليونانية قد تركت تأثيرها في قدامة بن جعفر؛ إذ وصفه صاحب الفهرست بأنه أحد الفلاسفة الفضلاء، وقد فسر بعضًا من المقالة الأولى من السماع الطبيعي [ سمع الكيان ] لأرسطو، وله كتاب في صناعة الجدل (1) . وبحكم هذه الثقافة الفلسفية انحاز إلى المعنى، ولهذا ألف كتابه [ الرّد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام ] ، وهكذا، فإن نظرية المعنى - عنده - قد تكاملت عدتها وأسبابها، واقترنتْ النظرية به اقترانها

بـ [ وليم راي ] في النقد الأوروبي الحديث. (2)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت