الصفحة 6 من 32

فضلًا عمّا توحي به مفردات البيت من معانٍ ترتبط بمهنة الحياكة وقد أسبغها على صناعة الشعر من مثل:"نمنموا، عُقَدَ، وشيها، حُللًا"راح أبو تمام يوقّع المعاني بإيقاعات متمايزة بدأها بالطباق بين"حلّوا"و"عقد"، ثم بردّ العجز على الصدر، أو بالجناس بين"حلّوا"و"حُللًا"، مضافًا إلى ما سلف جمعه بين ضميرين متصلين متماثلين تناقضا بفعل حرف الجر المتصل بهما، فتارةً يقول:"بها"و تارةً أخرى يقول:"لها"، حيث شبه الجملة الأول يوحي بإيقاع الدخول والولوج، و شبه الجملة الثاني يشي بإيقاع الملكية والحيازة، وبذلك يكون الإيقاع مختلفًا شكلًا متشابهًا مضمونًا، أو يكاد يتشابه. ولا يجوز أن نغفل ها هنا الدور الذي أدّاه حرف العطف"الواو"بين الحلل والقصيدة، إذ هما ينتميان عند الشاعر إلى حقلٍ دلاليٍّ واحد بفعل اشتراكهما ـ على حدّ تعبير أبي تمام ـ بالأداة والأسلوب، فما يتعلق بالحلل يتعلق بالقصيدة بوصفهما فنّين إبداعيين.

الأمر ذاته ينطبق على الأصوات، فنحن لو أعدنا نطق الفعل"نمنموا"لأحسسنا بإيقاعٍ مبهجٍ يسري في نفوسنا، ويجاري إيقاع المعنى في الفعل، وعليه فإنّ تكرار الصوتين"ن، م"بما يتصفان به من قوة ـ إذ هما صوتان انفجاريان ـ يسهم في تشكيل إيقاع البيت من ناحية، ويؤدي إلى إحداث بهجة ولذّة سمع كما يقول د. عز الدين السيد:"إذا تكرر الحرف في الكلام على أبعاد متقاربة، أكسبَ تكرار صوته ذلك الكلام إيقاعًا مبهجًا، يدركه الوجدان السليم حتى عن طريق العين، فضلًا عن إدراكه السمعي بالأذن" [1] .

(1) ـ السيد، د. عز الدين، التكرير بين المثير والتأثير، ص 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت