... وقد خَصَّ المقدسيُّ كتابًا بتمامه بهذا اللون الأدبي المبتكر هو المسمى (شرح حال الأولياء ) لعله فريد في بابه في تراثنا العربي مَنظومِه ومَنثوره. قد يتبادر إلى أذهاننا أبو العلاء المعري ورسالة غفرانه؛ وما أجراه على ألسن شعرائه وأدبائه، وصحيح أن أبا العلاء قد اصطنع حوارًا تحدّث فيه على ألسنة الآخرين، وبثَّ من خلاله جملةً من آرائه الأدبية وأحكامه النقدية، إلا أن أديب المعرّة كان يستشهد بشعر أولئك أنفسهم، أما المقدسي فقد تقمَّص الشخصيات، وتحدّث بألسنتها، وجعلها تنطق بأشعار - من نظمه هو- شرح فيها أحوال تلك الشخصيات المختلفة وخصالها. بالإضافة إلى فوارق أخرى بين الكتابين، ليس في هذه العُجالة متّسعٌ للتفصيل فيها.
... وقد يأخذ شعره طابعًا قصصيًا في بعض الأحيان؛ كما في رائيته التي يقصّ فيها حادثة الظبية مع النبيّ عليه الصلاة والسلام، ومستهلّها:
وقد كلّمَتْه وحوشُ الفَلا ... وهم بالشهادة قد أكثروا
وقالت له ظبيةٌ: إنني ... أُسرتُ، ومثلُكَ من يَجْبُر
ولي ولدان صغارٌ ولي ... فؤادٌ لفَقدِهمُ يُسْعرُ [1]
(1) 36) ديوان المقدسي / 99.