وقد أدرك بعضُ الّلغويّين المحدثين بعض هذا، يقول ريمون طحّان: «ولئن ألفينا الآن الاعتمادَ على مواقع الكلمات في الّلغة العربيّة، وأخذنا نقوم أحيانًا دون العودة إلى الحركة، بالقرائن الخلاّقة التي تنقل إلينا بسرعة ما يمكن أنْ يولّده النّصّ من أرجاعٍ ذهنيّة، تساعدنا على فهم ما نقرأ فهمًا صحيحًا وعلى نقده وتحليله، فإنّنا لا نزال نستأنس بالحركة، عندما يغلق المعنى علينا ويحدث الّلبس» [1] .
ولعلَّ خير ما قيل في الحركات الإعرابيّة من العلماء المحدثين، قول الدّكتور مازن المبارك: «وتتميّز الّلغة العربيّة-فيما تتميّز به-بحركات الإعراب التي هي-في حقيقة الأمر-ضربٌ من الإيجاز، إذ يدلّ بالحركة على معنىً جديدٍ غير معنى المادّة الّلغويّة للكلمة، وغير معنى القالب الصّرفيّ لها، وهو معناها أو وظيفتها النّحويّة، كالفاعلية أو المفعوليّة... وهكذا، فحركات الإعراب ليست شيئًا زائدًا أو ثانويًّا، وهي لم تدخل على الكلام اعتباطًا، وإنّما دخلت لأداء وظيفةٍ أساسيّةٍ في الّلغة؛ إذ بها يتّضح المعنى ويظهر، وعن طريقها نعرف الصّلة النّحويّة بين الكلمة والكلمة في الجملة الواحدة» [2] ، وبهذا المفهوم يكون الإعراب في مبدئه القائم على الحركات، لغةً نضيفها إلى لغتنا الأولى التي هي الألفاظ، فإذا نحن أمام ثروةٍ لغويّةٍ لا نفاد لها [3] .
(1) طحّان، ريمون، الألسنيّة العربيّة، ج2، ط1، دار الكتاب الّلبنانيّ، بيروت-لبنان، د.ت، ص13.
(2) المبارك، د. مازن، نحو وعي لغويّ، ص51-52.
(3) المرجع نفسه، ص77.