عاصر السوق ، كمكان للتبادل ، كل المجتمعات التي طبقت مبدأ تقسيم العمل ، فمنذ ما قبل التاريخ ، تشهد المشاغل ، ومنتجات الصوان المنحوت ، أنها لم تكن موجهة للاستخدام الشخصي ، وإنما لمقايضة احتياجات أخرى في الحياة . ثم تكون سوق القرية التقليدي ، حيث كان يحمل إليه البيض والدجاج والخضار لبيعها مبادلة مع بضائع أخرى تنتجها الأداة أو المهارة أو لدفع أجور خدمات البيطار أو الحلاق .
وهناك اختلاق أساسي بين أشكال السوق المتعاقبة ، وهو وجود الوسيط ، أي النقد الذي استخدم في الأصل كأداة قياس ، تقاس بها وفق قاسم مشترك ، منتجات الأعمال المختلفة كما ونوعا . لكن السوق ، وتبنى على تراتبية اجتماعية، وقيم أخلاقية ظاهرة أو مضمرة، وديانات نشأت خارجه ، ولم تبحث عن مبرراتها فيه .
ولم يتحول السوق إلى"ديانة"إلا عندما أصبح المنظم الوحيد للعلاقات الاجتماعية والشخصية والقومية، والمصدر الوحيد للسلطة والمراتب الاجتماعية . ولا يعنينا هنا أن نؤرخ لهذا التحول ، الذي أصبحت فيه كل القيم الإنسانية قيما تجارية ، بما فيها الفكر والفنون والضمائر .
وسنكتفي بالإشارة إلى النتائج الاقتصادية والسياسية والروحية للصورة الاخيرة لهذا القرن ، ولإعطاء نظرة إجمالية لبعض الميادين ، كي نحرر أنفسنا من النظرة"التخفيفية"لخطورة هذه النتائج ، ولهذا"القصور الحراري"الإنساني الذي يراه بعض منظري البنتاغون وأتباعهم في العالم ، بحسب عنوان كتاب فوكوياما:"نهاية التاريخ".