كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله, فصار قبله إلى ظلمة القبر. كم من مستقبل يومًا لا يستكمله, ومؤمل غدا لا يدركه. إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره, لأبغضتم الأمل وغروره.
خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها, فقال فيها: إنكم لم تخلقوا عبثا, ولن تتركوا سدى, وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للفصل بين عباده, فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحُرم جنة عرضها السماوات والأرض.
ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين, وسيرثها بعدكم الباقون؟ كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين. وفي كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله قد قضى نحبه, وانقضى أجله, فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد, قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب, وواجه الحساب, غنيًا عما خلف, فقيرًا إلى ما أسلف, فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته, وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي, ولكني أستغفر الله وأتوب إليه. ثم رفع طرف ردائه وبكى حتى شهق, ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه:
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى الله في شهر شعبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضًا شهر عصيان
واتل القرآن وسبح فيه مجتهدا فإنه شهر تسبيح وقرآن
واحمل على جسد ترجو النجاة له فسوف تضرم أجساد بنيران
كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حيًا فما أقرب القاصي من الداني
ومعجب بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غد أثواب أكفان
حتى متى يُعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبر لإنسان
(بتصرف من كتاب لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي ص 281 - 282)
المجلس الثاني
فضائل رمضان والصيام
حمدا لله تعالى الكريم المنان العظيم صاحب الفضائل والنعم الكثيرة والآلاء العظيمة, حمدًا لله تعالى المتفضل علينا بهذا الشهر الكريم الذي فيه تصفد الشياطين وتفتح فيه أبواب الجنان, حمدا لله تعالى الذي بلغنا شهر رمضان شهر القرآن وشهر التقوى والإيمان.
أحبتي في الله هذا هو شهر رمضان نزل بساحتكم شهر كريم وموسم عظيم خصه الله تعالي بالتشريف والتكريم ففرض صيامه وجعله أحد أركان الإسلام شهر إجابة الدعوات ومضاعفة الحسنات وشهر العتق من النيران.
شهر الخير والبركات قال تعالي {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان} (البقرة / 185) .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم) (صحيح رواه أحمد 9/ 225(الفتح الرباني) والنسائي 4/ 129 وصححه الألباني في الترغيب 1/ 490).
ففي هذا الحديث بشارة من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعباد الله الصالحين بقدوم شهر رمضان المبارك. لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) أخبر الصحابة رضي الله عنهم بقدومه وليس هذا إخبارا مجردا بل معناه: بشارتهم بموسم عظيم يقدره حق قدره الصالحون المشمرون حيث بين فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) ما هيأ الله لعباده من أسباب المغفرة والرضوان فمن فاتته المغفرة في رمضان فهو محرم أشد الحرمان. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وفي رواية(أبواب الجنة) وفي رواية (أبواب الرحمة) وغلقت أبواب جنهم وسلسلت الشياطين)"أخرج البخاري 4/ 112 ومسلم 1079".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغُلقت أبواب النيران فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) "رواه الترمذي 3/ 359 وابن ماجة 1642 وهو حسن".
فكفى شرفًا وفضلًا لهذا الشهر الكريم أنه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وذلك لكثرة الخير في رمضان وزيادة الإقبال على أسباب المغفرة والرضوان فيقل الشر في الأرض حيث تصفد مردة الشياطين بالسلاسل والأغلال والأصفاد فيتهيأ للمسلمين الانشغال بالصيام وتلاوة القرآن وذكر الله تعالي. وقال القرطبي كما نقل عنه الحافظ في الفتح 4/ 114 (فإن قيل كيف نري الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك؟