ولذلك فإن الله تعالى امتن على عباده بخلق هذه الوسائل التي يحصلون العلوم عن طريقها فيهم، فقال سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78) .
ومن العلوم ما اختص الله تعالى به من اصطفاهم من عباده كالأنبياء والمرسلين؛ إذ اختصهم بالوحي دون سائر الناس، واختص الملائكة عليهم السلام بعلوم لم يطلع عليها البشر، وهناك علوم أخرى استأثر الله تعالى بها دون أحد من خلقه، ولم يطلع عليها نبيا مرسلا، ولا ملكا مقربا، ومنه علم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، كما قال سبحانه: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ} (النمل: 65) .
ومن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى: حوادث المستقبل سواء أكانت للأفراد أم للأمم، وسواء أكانت في البشر أم في غيرهم، وما حرمت الكهانة، والعرافة، والتنجيم، والضرب بالحصى، والخط بالرمل، وقراءة الفنجان والكف ونحوها إلا لأن فيها ادعاء علم الغيب الذي هو من خصائص الرب - جل جلاله - فمن ادعى علم الغيب فهو ينازع الله تعالى فيما اختص به، وذلك يوجب عقوبته وهلاكه.
والحديث عن نهاية دولة اليهود إذا حدد بزمان، أو حكومة، أو رئيس معين، فلا يخرج عن ادعاء علم الغيب، فإذا صاحب هذا الادعاء تحليل نصوص من الكتاب والسنة، ولويها لتوافق ذلك، صار الإثم أكبر، فإن كان الادعاء معتمدا على التنجيم، والكهانة، والعرافة فذلك شرك، والمصدق به كافر بما أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
ومع بالغ الأسف فإن هوس كثير من المسلمين بمعرفة المستقبل - خاصة مستقبل إسرائيل في فلسطين ينسيهم الأصل العظيم الذي قررناه آنفا بالنصوص الشرعية والمتمثل في أن الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى.