... من هنا كانت هذه التوطئة لقارىء كتابى هذا ضرورية وهامة جدا لمن أراد الفهم ومسايرة علوم العصر ، وهو لا يزال متعلقا بالأصل ، يريد أن يراه بلغته الأصلية وليس بترجماته الأجنبية المتعددة ، سواء كانت يونانية أو لاتينية أو قبطية أو سريانية أو سائر اللغات المعاصرة .
... لعل القارىء يسأل هنا ويقول كيف يُفهَمُ النصّ بلغته الأصلية وقد ضاعت هذه اللغة وفُقِدَت من على ألسنة الناس ..!؟ فأقول له: إن كانت لغة الأصل الآرامية قد فُقِدت منذ زمن بعيد إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى قد قيض لهذه اللغة من يكتشفها ويفك طلاسم خطوطها . شأنها في ذلك كشأن اللغة المصرية القديمة ، ظلَّت مصوَّرَة على الأحجار مئات السنين ولم يتمكن العلماء من فك طلاسمها إلى أن ظهر حجر رشيد والعالم الفرنسى شمبليون الذى استطاع فك شفرة قراءة الرموز المصرية الفرعونية .
ومنذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وحتى النصف الثانى من القرن العشرين الميلادى تمت معرفة مجموعة اللغات السامية القديمة ذات اللسان العربى ، من بعد اكتشافها في كل من سوريا القديمة والعراق القديم وشمال غرب شبه الجزيرة العربية وجنوبها ، وحتى في الآثار المصرية في جزيرة فِيلة بأسوان وتل العمارنة في المنيا . وقرأ العلماء الخط الآرامى بأشكاله ولهجاته المتعددة .
وعَرِفَ العَالم اللغة التى كانت سائدة في فلسطين إبَّان فترة بعثة المسيح - عليه السلام - . إنها اللغة الآرامية وليست بالعبرية المعروفة . ويجب التنويه هنا إلى أنَّ الكثيرين مِن قدماء العرب كانوا يشيرون إليها في كتاباتهم تحت مسمى اللسان العبرانى نسبة إلى العبرانيين الذين كانت أسفارهم المقدسة مكتوبة بذلك الخط الآرامى القديم .