فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 401

…بل إنَّ عندنا ما هو أبلغ في الحجة وأوضح في الدلالة على أنَّ صوم الدهر غير مستطاع هو الحديث التالي الذي مرَّ في بحث [صيام يوم بعد يوم] من الفصل [صيام التطوع] عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال {أُخبِر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك ... } رواه البخاري (1976) ومسلم وغيرهما. ثم بعد كلِّ ذلك يأتي مَن يقول بجواز صيام الدهر إن كان لا يُلحِقُ ضررًا بصاحبه!!

…ويحضرني في هذا المقام الحديث الذي رواه الإمام البخاري (5063) ومسلم والنَّسائي والدارمي وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول {جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فقال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا واللهِ إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني} قوله كأنهم تقالُّوها: أي رأَوْها قليلة. أليس في هذا الحديث ما يمنع من القول بجواز صوم الدهر فضلًا عن القول باستحبابه؟! أما سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يقوم الدهر ولمن يصوم الدهر ولمن يترك الزواجَ الدهرَ (من رغب عن سنتي فليس مني؟) .

…وأما القائلون بالكراهة فإنهم أقل خطأ، إلا أن يعنوا بها كراهةَ تحريمٍ لا كراهة تنزيه. فالحق الذي لا مراء فيه هو أن صوم الدهر حرام لا يجوز، وهو ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت