لم تكن بيني وبينه صلة ولا لقاء قبل هذه المراسلة. اللهم إلا أني قرأت له هذا الكتاب: (بين الإمامين: مسلم والدارقطني) ، ولما قرأته، وأنا في بداية مرحلة الدكتوراه، وجدت الموضوع الذي تناوله موضوعا شيقا، حتى تمنيت أن أستفيد منه في مجال النقد، وأتشرف بتعارف علمي بيني وبينه.
ومن هنا أحببت أن أرسل إليه هذا النقد، عسى أن يكون ذلك بداية تعارف وأخوة علمية بيني وبينه، وتشاورت في ذلك مع أحد زملائي في جامعة أم القرى [1] ، وشجعني على ذلك قائلا: '' لنرسل إليه وننظر بماذا سيرد علينا''. وطلبت منه أن يوصله إلى الأستاذ، وقد تم ذلك سرا دون أن يعرف عنه أحد.
قال صلى الله عليه وسلم: ''الدين النصحية''.
وقال بعضهم: ''تعمدني بنصحك في انفراد، وجنبني النصيحة في الجماعة''.
بما أن الأستاذ قد اعتمد في دراسة حديث ابن عمر في فضل الصلاة في المسجد النبوي على ظاهر سنده وأحوال رواته ومراتبهم في سلم الجرح والتعديل، فإنه لم يعد يفهم مغزى نصوص النقاد ومصطلحاتهم في تعليل هذا الحديث، بل ذهب إلى تصحيحه، إذ كان رواته كلهم أئمة ثقات.
ومما قلته له في النقد: أن النقاد أصابوا في تعليل هذا الحديث، وما ذكروه من المخالفة والتفرد كاف لفهم ما يكمن فيه من العلة، وأن الإمام مسلما قد أدركها، كما أدركها غيره من النقاد. لذلك، أورد حديث ابن عمر في آخر الباب، بعد أن صدره بحديث أبي هريرة المتفق على صحته بين الأئمة النقاد، بل شرح العلة بذكر وجوه الاختلاف على نافع الذي يشكل مدار تلك الروايات المختلفة.
وليس في صنيع مسلم هذا ما يستدعي الغرابة، لأنه وعد في المقدمة بترتيب الأحاديث حسب الأصحية، إلى جانب شرح العلل أحيانا بذكر وجوه الاختلاف، ولم يكن ذكر حديث ابن عمر هذا في آخر الباب إلا أنموذجا واضحا لوفاء وعده الذي قطعه على نفسه. وتبين لي ذلك من خلال تتبع مواقف النقاد تجاه هذا الحديث، لا سيما نصوص الدارقطني في كتابه (التتبع) الخاص بذكر الأحاديث المعلة في صحيح مسلم.
ومما ينبغي التذكير به أنني لم أضعف هذا الحديث ولا حديثا آخر من تلقاء نفسي، بمجرد وروده في آخر الباب، وإنما أعله النقاد القدامى؛ مثل البخاري والنسائي والدارقطني [2] ، ولم يكن عملي هنا في هذا
(1) -، وهو الشيخ الفاضل سيف الرحمن مصطفى - رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجزاه الله تعالى عني خير الجزاء - وكان زميلا لي في مرحلة الدكتوراه، وكان أخا متواضعا، تعودنا معه على مجالسة الشيخ أبي الأشبال محقق كتاب التقريب في معظم أيام الأسبوع في المسجد الحرام، لا سيما يوم الخميس والجمعة، بين المغرب والعشاء.
(2) - للأستاذ موقف آخر تطور في كتابه (منهج مسلم) ، وهو محاولة إنكاره تعليل الدارقطني وغيره من الأئمة لهذا الحديث، وقد نسي أنه ذكر هذا الحديث في كتابه (بين الإمامين) بطبعته الهندية، باعتباره من جملة الأحاديث المنتقدة من قبل الدارقطني. وهذا إقرار قديم من الأستاذ بتوهين الدارقطني للحديث.
لكن لما عجز في ضوء الواقع أن يكذب على الدارقطني توجه إلى قوله:''لم يتقن الدارقطني عرض المسألة، غفر الله له ورحمه، ولكل جواد كبوة''.
وبهذا يتبين أن الإمام الدارقطني أعل هذا الحديث قبلي بقرون، بغض النظر هل استوفى الأدلة أو لا، وهل هي قوية أو ضعيفة. وأن عملي في هذا المجال هو بيان مصداقية تعليل الدارقطني، في ضوء الأدلة والبراهين، لا أكثر ولا أقل. إذن لماذا بدعني وفسقني ورماني بالتهم المفتعلة؟!!