بقلم: خالد بن صالح الغيص
هذه كلمات مقتطفة من واقع الحياة لمنكرات يقع فيها بعض الناس مخالفين بذلك شرع الله، وتمادوا فيها حتى صار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليها الكبير، نشأ فيها الصغير وخالطها واستمر على ذلك بعضهم واستمرأها وشب عليها وظن أنّه لا شيء فيها وهرم عليها حتى مات، فأردت بكلماتي هذه أن أحذر منها معذرةً الى الله تعالى ولعلّهم يتقون، فاذا كان الجاهل يجهل والعالم يسكت فمتى ينتشر العلم وتقام حجة الله على عباده كما يروى عن الامام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: إدا سكت العالم تقية والجاهل يجهل فمتي يظهرالحق (الْآدَابِ الشَّرْعِيَّة لابن مفلح) ، فلا يحتج بعد ذلك محتج بأنه لم يعلم أن ذلك الشيء منكر أو كفر وشب عليه وشاب، فسأشير الى بعضها اشارة حتى لا أطيل ومن أراد التفصيل فعليه الرجوع إليها في مضانها، فأقول وبالله التوفيق:-
أولًا: الحكم بغير ما أنزل الله:
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه الفوائد (48) : لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا الى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ (*) عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها منكرًا. انتهى بتصرف، نعم!! كم من مسلم ولد ونشأ في بعض بلاد المسلمين وتحاكم الى محاكمها ولم يشعر أنها تحكم بغير ما أنزل الله، بل لم يخطر على باله أن هناك مخالفة لشرع الله بل لم يخطر على باله أن هناك حكمًا لله بين عباده يجب أن نتحاكم إليه ونشأ على ذلك وتربى عليه منذ الصغر حتى أدركه الكبر، بل اذا قرأ الآيات التي جاء فيها خطورة الحكم بغير ما أنزل الله ظنها نزلت في قوم آخرين، قال ابن القيم في مداج السالكين (1/ 343) : والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شرٌ منهم أو دونهم وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك وما عابه القرآن وذمه: وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية أو نظيره أو شر منه أو دونه فينقض بذلك عرى الإسلام عن قلبه ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والبدعة سنة والسنة بدعة ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا والله المستعان. انتهى بتصرف، ولا مزيد على كلام هذا العالم الجليل رحمه الله فلا بد أن يؤمن المسلم ويعتقد أن الدين كله لله، قال الله تعالى وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) سورةالأنفال، فالحكمة من الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله والأمر بالمعرف والنهي عن المنكر وكل شرائع الإسلام هو أن يكو الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الحكم والاستسلام والانقياد والطاعة لله وحده، قال الطبري رحمه الله في تفسيره: ويكون الدين لله أي حتى تكون