الصفحة 29 من 49

أما حاطب بن أبي بلتعة (رضي الله عنه) لما جس على المسلمين قبيل فتح مكة برسالة بعثها

إلى قريش يخبرهم فيها بوجهة النبي (صلى الله عليه وسلم) إليهم، فإن الدافع الذي دفع حاطب (رضي الله عنه) أن يقع في محظور شرعي خطير؛ وهو الخيانة والجاسوسية، وهو يعلم علم اليقين حكم الله في مسألة الخيانة والتجسس الوارد في آيات الله البينات:"إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ"الحج38

لوصلنا إلى أن الدافع الحقيقي وراء ذلك هو حماية أهله في مكة، وقد بين حاطب نفسه ذلك (انظر السيرة) ، بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فإن الدافع الغريزي في حماية الأهل والولد والمال؛ قد يؤدي بصاحبه إلى الخيانة والتجسس على المسلمين لصالح الكافرين، وهنا لا بد للإنسان إذا ثار في نفسه هذا الدافع لا بد من اللجوء إلى قول الله تعالى والتحاكم:"فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"النور63. فإنه ومما لا ريب فيه أن التجسس على المسلمين وخيانتهم مخالفة صريحة لأمر الله تعالى توجب إيقاع العقاب الشرعي على فاعلها.

ولولا أن حاطبًا كان من أهل بدر؛ لناله من العقاب ما ناله، فعلة رفع العقوبة عن حاطب أنه شهد بدرا؛ وهي حسنة عظيمة أحبها الله تعالى، وغفر لأهلها ذنوبهم حيث قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمر (رضي الله عنه) لما طلب من النبي أن يأذن له بقتله؛ لأن عمر اعتبره بهذا الفعل منافقا فقال -عليه الصلاة والسلام-: (يا عمر وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) . سيرة ابن هشام مج ص

ومن الدوافع التي قد تدفع بالإنسان للخيانة؛ عدم الصدق في إيمانه، وعدم الوفاء بعهده مع الله تعالى يقوله تعالى:"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ"البقرة 83 - 84. فلذلك توعدهم الله تعالى بالخزي في الحياة الدنيا، وفي الآخرة يردون إلى أشد العذاب، ووصفهم بفعلهم هذا أنهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ثم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون.

فلذلك - أيضا - قال الله تعالى في سياق الحديث عن بيعة الرضوان التي تمت قبيل صلح الحديبية:"فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا"الفتح10.

وإننا لنرى (المنتسبين إلى الإسلام) حكامًا ومحكومين، على اختلاف مسؤولياتهم قد وقعوا بما قد وقع بنو إسرائيل - فاللفظ القرآني عند الأصوليين يؤخذ بعموم المعنى لا بخصوص اللفظ أو المناسبة - فقد نقضوا عهدهم مع الله، وتنكبوا طريقَ توحيده، وخانوا أماناتهم وأمتهم، وقد نهاهم الله تعالى عن فعل ذلك بقوله:"لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ"الأنفال 27.

ففي أفغانستان تحالف الكرزايات مع الصليبيين؛ ليسقطوا إمارة الإسلام، وسلموا الأرض والعِرض، لعدو الأمة الصائل، فأهلكوا معه الحرث والنسل"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ"البقرة11 - 12.

وهم بهذا يكونون قد خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم وأمتهم؛ فعنهم وعن أمثالهم ممن فعل فعلهم قال الله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ"إبراهيم28 - 30، وفي العراق ظهرت الحماسات المائلات عن الحق المميلات، فتحالفات مع الصحوات، والطوائف الرافضات، من الخائنين والخائنات، والغادرين والغادرات، ليعلنوا ولاءهم للكونداليزيات والتشينيات والبوشيات، ومن بعدهم الأوبامات من يهود وعباد صليب، والله نهاهم عن ذلك بقوله:"لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"المائدة 51.

وهم بهذا قد خانوا الملة والأمة، وصيروا أنفسهم حربًا على أهل الحق المجاهدين الصادقين، بل، ويبذلون قصارى جهودهم مع أوليائهم أهل الصليب؛ لإسقاط دولة العراق الإسلامية:"وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"الأنفال30؛ يريدون أن يجعلوا كلمة أوليائهم من الكفار العليا، ويأبى الله ذلك إذ إنه حكم حكمًا لا معقب لحكمه، حيث قال (جل جلاله) :"وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا"التوبة 40. فتأمل أخي المسلم الصادق؛ لم يقل الله تعالى وجعل كلمة الله هي العليا، إذ هي العليا أصلًا، فلا يمكن لها أن تكون السفلى، فمهما حاول الخائنون مع أوليائهم من الشياطين ذلكم، فلن يكون لهم على كلمة الله العليا سبيل، فتنبه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت