فما عرفنا في تاريخ"الخوارجِ"، في يومٍ من الأيام أنَّهم قاتلوا الكفار والمشركينَ، وإنما يقاتلون المسلمين دائمًا: قتلوا عثمان. وقتلوا علي بن أبي طالب. وقتلوا الزبير بن العوام. وقتلوا خيار الصحابة. وما زالوا يقتلون المسلمين.
وذلك بسبب جهلهم في دين الله - عزَّ وجلَّ -، مع ورَعِهم، ومع عبادتهم، ومع اجتهادهم، لكن لما لم يكنْ هذا مؤسَّسًا على علمٍ صحيح؛ صارَ وبالًا عليهم، ولهذا يقول العلامةُ ابنُ القيم في وصفهم:
(وَلَهُمْ نُصُوصٌ قَصَّروا في فَهْمِهَا ** فَأُتُوْا مِنَ التقْصِيرِ في العِرْفَانِ)
[ نونية ابن القيم المسمّاة:"الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"ص: 97. ]
فهم استدلوا بنصوصٍ وهم لا يفهمونها، استدلوا بنصوصٍ من القرآن ومن السنّة؛ في الوعيدِ على المعاصي، وهم لا يفقهون معناها، لم يُرجعوها إلى النصوص الأخرى، التي فيها الوعدُ بالمغفرة، والتوبة لمن كانت معصيتُه دون الشرك؛ فأخذوا طرفًا وتركوا طرفًا. هذا لجهلهم.
والغيرةُ على الدين والحماسُ لا يكفيان، لا بد أَنْ يكونَ هذا مؤسَّسًا على علمٍ، وعلى فقهٍ في دين الله - عز وجل -، يكونُ ذلك صادرًا عن علمٍ، وموضوعًا في محله.
والغيرةُ على الدين طيبةٌ، والحماسُ للدين طيِّب، لكن لا بد أن يُرشًَّدَ ذلك باتباع الكتابِ والسنة.
ولا أَغْيَرَ على الدين، ولا أنصحَ للمسلمين؛ من الصحابة - رضي الله عنهم -، ومع ذلك قاتلوا"الخوارج"؛ لخطرهم وشرِّهم.