الصفحة 1 من 7

سلسلة الاختيارات الفقهية:

العدد الثاني:

الدّر المفقود في كيفية الإهواء إلى السجود

لماذا اختار جمهور السلف البروك بالركب؟

الحلقة الأولى

المؤلف

الشيخ مختار الطيباوي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

أما بعد؛

فقد كنا نظن زمنا، ونحن ببلد سكانه على مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أن الإهواء إلى السجود على اليدين من المسائل التي لا دليل لهم عليها، حتى قرأنا للعلامة محدث الشام: فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ كتابه"صفة الصلاة"وغيره، فعرفنا حينئذ أن لأهل بلدنا مستندا من السنة في هذه المسألة، فالحمد لله على فضله.

ولكن قد بدا لي فيها رأي آخر إتباعا لأكثر أئمتنا من المحدثين والفقهاء، أحببت عرضه على إخواني للإفادة والاستفادة، فهذا هو:

فعن وائل بن حجر ـ رضي الله عنه ـ قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه."

أخرجه أحمد في"المسند" {381/2} ، والدار مي في"السنن" {303/1} ، وأبوداود في"كتاب الصلاة" {222/1} ، والترمذي في"السنن" {56/2} ، والنسائي في"كتاب التطبيق" {206/2} ، وابن ماجة في"السنن" {286/1} ، وابن خزيمة في"صحيحه" {318/1} ، وابن حبان في"صحيحه" {191/3} ، والطبراني {97/22} ، والدار قطني في"السنن" {345/1} ، والطحاوي في"شرح معاني الآثار" {255/1} ، والبيهقي في"السنن" {98/2} ، والحاكم في"المستدرك" {226/1} وصحّحه ووافقه الذهبي، والبغوي في"شرح السنة" {133/3} ، والحازمي في"الاعتبار" {222} ، وقال:"هذا حديث حسن على شرط أبي داود، وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النسائي."

وذكره كذلك الصنعاني في"سبل السلام" {366/1} ، والمناوي في"فيض القدير" {373/1} ، والقاري في"مرقاة المفاتيح" {552/1} .

قال الشيخ ناصر الألباني ـ رحمه الله ـ:"هذا سند ضعيف، وقد اختلفوا فيه"، ثم نقل كلام الدار قطني:"تفرد به يزيد [ ابن هارون] عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به.""الضعيفة:329/2".

قلت:قولهم عن راوما:"ليس بالقوي"، ليس كقولهم عنه:"ليس بقوي"، فإنّ الأول يقتضي نفي القوة عنه نسبيا، بينما يقتضي الثاني نفيها عنه بالكلية، فإنّ النّكرة في سياق النفي تفيد العموم.

وعليه، يجب تنزيل كلام الدار قطني السابق على هذا الأصل.

كما أن قولهم:"سند ضعيف"لا يستلزم ضعف متنه، فإنه من المقرر أن صحة السند ظاهرا لا تستلزم صحة المتن، فقد روى الثقات أحاديث صحيحة السند ظاهرا، جزم المحدثون بأنهم غلطوا فيها.

لذلك فإن كلام الدار قطني الذي نقله الشيخ الألباني ليس تصريحا منه بضعف حديث شريك، وإنما الذي فعله هووصف الضبط عنده، ويبقى على البحث والتحقيق تبيان إن كان شريك قد غلط فيه أم لا؟، كونه نفى عنه القوة معرفة بالألف واللام.

ووصف الضبط من المحدث ـ في حديث ما ـ ليس حكما منه على الراوي حكما عاما، فقد قال الدار قطني عن شريك في"علله" {225/2} :"ثقة".

كما يجب التنبيه على أن أئمة الحديث يردون أحاديث الثقات التي تبين لهم خطؤهم فيها، ويقبلون أحاديث الضعفاء ما عرفوا حفظهم وضبطهم لها، ولا يكتفون بمجرد معرفة أحوال الرواة في الجرح والتعديل.

وعليه، فإن حديث شريك يجب النظر فيه، في ضوء الملابسات الفقهية، والتي لا يتسنى فيها فصل المرفوعات عن الموقوفات، أوفصلها عن فتاوي الأئمة، وقواعد التعليل والاستنباط، كما هوصنيع الحفاظ والنقاد الذين صححوه، وعملوا بموجبه.

ورجل مثل شريك، قال عنه الذهبي في"ميزان الاعتدال" {670/2} :"كان من أوعية العلم"

ولابد أنه حمل كثيرا من الأحاديث، ومثله لا يستغرب منه الانفراد، فإنه من المعلوم أن المكثرين من الرواية قد ينفردوا، والانفراد منهم غير مستبعد، وإنما يضر الانفراد المقلين.

ومما يؤيد أن شريكا كان من المكثرين ما نقله الذهبي عن ابن أبي حاتم أنه سأل أبوزرعة عن شريك: يحتج به؟ فقال:"كثير الحديث، صاحب وهم، يغلط أحيانا" {ميزان الاعتدال:274/2} ، و { الجرح والتعديل} لابن أبي حاتم {367/4} .

قال العجلي في"معرفة الثقات" {453/1} :"كان أروى الناس عنه إسحاق بن يوسف الأزرق الواسطي، سمع منه تسعة ألاف حديث".

وقال ابن سعد في"الطبقات الكبرى" {379/6} :"ثقة مأمون كثير الحديث، ويغلط كثيرا."

قال الإمام أحمد:"قديم السماع من أبي إسحاق"

والتفرد قد يكون لأسباب منها: الضبط والإتقان، إذا كان المنفرد يفوق من خالفهم في الضبط والإتقان، وجودة الأداء، وقد يكون لكثرة الحفظ والمشايخ، وقدم السماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت