ومن نظر إلى أحوال كثيرٍ من أهل الحملات في وقتنا وجد المبالغة في ذلك، وبعضهم يدفع الألوف المؤلفة لكي يتيسر له الحج، فلا يلتمس فيه مشقة، فأحبَّ أن يُفسح له الطريق، فلم ينظر إلى حال رسول الله في حجه وهو من هو، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحج على راحلةٍ واحدةٍ، وعلى هذه الراحلة مزادته وطعامه، وفيها رحله عليه الصلاة والسلام ومتاعه؛ قال: قد جاء عن بعض السلف أنَّ أول من حج براحلتين؛ راحلة يمتطيها وراحلة عليها مزادته هو عثمان بن عفان - عليه رضوان الله تعالى؛ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نظر إلى حاله وجد أنه لا يلتمس المشقة ويتقصدها؛ وإنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَحُجُّ راكبًا وماشيًا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يؤذي أحدًا ولا يزاحم، وكان يحذر أصحابه - عليهم رضوان الله تعالى - من الزحام وأذية الخلق؛ وذلك دفعًا للمشقة، وطلبًا للتيسير، وقد رخَّص عليه الصلاة والسلام كذلك للضعفاء أن ينفروا بَعْد منتصفِ الليل مِن مزدلِفة أو بعد طلوع القمر؛ كما جاء ذلك عن غير واحدٍ مِن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كعبد الله بن عباس، والفضل، وأسماء، وغيرهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ نفروا مع أنَّ المبيت في مزدلفة واجبٌ؛ طلبًا للتيسير وكذلك رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس ومَن معه ألا يبيت بِمِنى؛ وذلك لمصلحة سقاية الحج، ورخَّص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَنْ يسبقه فيضرب له خيمةً بِـ"نَمِرَة"؛ ومعلومٌ أنَّ البقاء بـ"مِنَى"يومَ التروية وقبل ذلك هو السُّنَّةُ والأولى؛ ولكن ذلك لمَّا كان يتعلَّق بمصلحة المسلمين وتيسير طريقهم جاز الترخُّص ببعض الأحوال، إلا أنَّ الإنسان أن يلتمس دَفْعَ المشقَّةِ على وَجْهِ العموم وطلب التيسير والترفُّه ليس ذلك من نهج محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - .
وهذا مذمومٌ من وجوه: