إن شمولية هذا الدين وكماله هي من أعظم ما يُحِّيرُ الناظرين للإسلام عَن بُعدٍ، ويَأسر قلوب المتمسكين به الملتزمين بأوامر الله - عز وجل - والممتثلين لها بأن يكونوا على بيِّنةٍ ويقين من ربهم؛ وذلك أن الله - عز وجل - قد جَعل أصولًا يندرج تحتها كثيرٌ من المسائل الفرعية من فروع الدين مما نَصَّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ومما لم ينص من نوازل الأحكام وحوادث الزمان التي يستوعبها الدين بلا نقصان، وهذا لا شَكَّ أنه عند الناظِر فيه من أعظم المعجزات التي جعلها الله - عز وجل - في هذا الدين ظاهرةً باقيةً إلى قيام الساعة.
ثُمَّ مِنْ كمال هذه النِّعمة أن جعل الله - عز وجل - هذا الدين محفوظًا، لا يناله الدخيل ما دام أهلُ العلم قائمين بأمْر الله، وجعل الله جل وعلا أصل المَحجَّة كتابه - سبحانه وتعالى - محفوظًا إلى قيام الساعة؛ منه بدأ وإليه يعود، وما تقرَّب مُتقربٌ بمثل ما خرج منه؛ قال الله جل وعلا: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ؛ لمَّا كان هذا في أصل الدين كان في فَرعه حمايةٌ من الأصْل لذلك الفَرْع، أو لتلك الأصول التي كانت تحته من جهة الجلالة والقدر - وإن كانت قسيمة له من جهة الاحتجاج - كالسُّنَّة والإجماع والقياس وغير ذلك مما يطول ذِكْرُهُ مِمَّا ذكره العلماء في مواضع متعدِّدة، فليلتمس في مظانِّه.