فإن قيل: من أين تظهر مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، ومحصل الترجمة التسوية بين صيغ الأداء الصريحة، وليس ذلك بظاهر في الحديث المذكور؟ فالجواب أن ذلك يستفاد من اختلاف ألفاظ الحديث المذكور، ويظهر ذلك إذا اجتمعت طرقه، فإن لفظ رواية عبد الله بن دينار المذكور في الباب: فحدثوني ما هي، وفي رواية نافع عند المؤلف في كتاب التفسير: أخبروني، وفي رواية الإسماعيلي: أنبئوني، وفي رواية مالك عن المصنف في باب الحياء في العلم: حدثوني ما هي، وقال فيها: فقالوا: أخبرنا بها، فدل ذلك على أن التحديث والإخبار والإنباء سواء.
وهذا لا خلاف فيه عند أهل العلم بالنسبة إلى اللغة، ومن أصرح الأدلة فيها قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: ٤] ، وقوله تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: ١٤] .
فمنهم من استمر على أصل اللغة، وهذا رأي الزهري، ومالك، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأكثر الحجازيين والكوفيين، وعليه استمر عمل المغاربة، ورجحه ابن الحاجب في مختصره، ونقل عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة.
ومنهم من رأى إطلاق ذلك حيث يقرأ الشيخ من لفظه، وتقييده حيث يقرأ عليه، وهو مذهب إسحاق بن راهويه والنسائي وابن حبان وابن منده وغيرهم.
ومنهم من رأى التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل، فيخصون التحديث بما يلفظ به الشيخ، والإخبار بما يقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج، والأوزاعي، والشافعي، وابن وهب، وجمهور أهل المشرق.