ومرت سلسلة سريعة من الذكريات ترسم لخالد ملامح شخصية عمر ، الطالب المثالي الذي درس عنده في العام الماضي ، كان من الطلاب المتفوقين ، وكان قليل الاختلاط بالآخرين ، حتى الطلاب الملتزمين بدينهم ، فقد كان متحفظًا من الجميع ، وسرعان ما تذكر خالد أن عمر في الثالث المتوسط هذا العام ، أي بداية مرحلة الأقران ، المرحلة الحتمية التي لابد أن يمر بها الفرد خلال مراحل نموه النفسي والاجتماعي . ولم يقطع هذا الشريط سوى وجه أبي حسان الذي يبعث على الأسى والألم ، فقال خالد:
ـ متى غادر البيت ؟ وإلى أين ؟ ومع مَن ؟
ـ سافر يوم الخميس صباحًا مع بعض الأولاد من أقاربه ، قال لي: سنذهب إلى العمرة ، ونعود مساء غد (الجمعة ) ، وهانحن بعد ظهر يوم السبت ولم يعد أحد منهم !!!
ـ هل سألتم بعض الأقارب في مكة لعله رآهم ؟
ـ سألنا ، وكان الجواب: أنه لم يرهم أحد ولم يسمع عنهم أحد .
ـ تأخروا يومًا واحدًا ، والغائب حجته معه يا أبا حسان ، لا تقلق سوف يعودون بعد قليل سالمين غانمين إن شاء الله تعالى . و ...
وقطع حديثهم رنين الهاتف فأسرع خالد وأمسك السماعة ، فسمع صوت أحد أولاد أبي حسان يسأل عن والده ، فقال فرحًا:
ـ وصل عمر ، بشر يا ولدي ؟
ولكن صوت المتحدث لم يكن منبئًا بما يتسر ، بل يحمل ألمًا وقلقًا كبيرين ، ثم قال: لو سمحت أكلم بابا إذا كان عندكم ؟
أعطى خالد السماعة لزميله وتسمرت عيناه على ملامح وجهه .
ـ الشرطة ..!!! ماذا يقولون ؟
ـ قالوا: ابعث والدك يقابلنا في المخفر .
وضع السماعة بعد أن امتلأت بنحيب ولده ، فماذا ستقول لهم الشرطة يا ترى !!؟ أهو ميت بعد حادث في الطريق ؟ أم هو في المستشفى مسجى في العناية المركزة ؟ شد أبو حسان نفسه حتى وقف حائرًا ، فأسرع خالد ومشى معه خارج البيت قائلًا: